عيطة " خربوشة "
قصة خربـوشة المرأة / العيطة.... ملحمة خربوشة ليست بالعمل الهين، ولا تخلو من مجازفة
خالد الخضري
واحدة من كبريات القصص الشعبي بالمغرب.. لكن لها خصوصية مميزة، هي أنها
ليست قصة متخيلة، بل صاحبتها كانت امرأة من لحم ودم.. امرأة عنوانا
للتحدي.. تحدي الظلم وتحدي منطق الذكورة الذي كان يسعى إلى تمريغ
كبريائها.. لكنها قصة انسلت إليها الأسطورة، لأن صاحبتها كانت أسطورية
بمواقفها في زمنها ذاك البعيد، ذاك الذي كانت فيه للقياد سلطة الحل
والعقد، سلطة حجب الشمس أو إسكان الأنفس في ظلمات العذاب في الأقبية.. هنا
متابعة حكائية وأدبية جميلة، خصنا بها الأستاذ والناقد السينمائي المغربي
خالد الخضري، نتسعيد معه من خلالها قصة امرأة مغربية، قصة خربوشة، تلك
السيدة التي قالت « لا » في زمن لم يكن يسمح للمرأة حتى أن تقول « نعم »،
فكيف بالرفض..
> القسم الثقافي والفني
الجناس:
أما عن الجناسات فقد تكرر عدد منها داخل العيوط:
أنا عيطت طال عياطي أنت شريفي الخياطي
وتقول كذلك:
زيدوا أولاد زيد راه الحال مازال بعيد
فقد
جانست في المقطع الأول بين (عيطت / عياطي) وكلها أفعال مضارعية بمعنى
ندائي وجانست بين (عياطي / خياطي). أما في المقطع الثاني فقد جانست بين
فعل الأمر (زيدو) بمعنى أكملوا الطريق، وبين اسم العلم (زيد) وهو جناس خطي
أو لفظي تام.
وتقول كذلك في عيطة «خربوشة»:
واهيا وين الليلة نباتو زاهيين
فقد
جانست بين لفظة (آهيا وين) بمعنى هؤلاء وهو نداء "أنتم" موجه للجماعة وبين
لفظة (زاهيين) بمعنى فرحين. فالأولى نداء والثانية فعل مضارع ولذلك فهو
جناس ناقص.
وتستمر الشاعرة على هذا المنوال فتقول:
من دار لعار يكد بيه موتة واحدة تلزم
شفت ما شفت أنا شفت خيل ولاد بن عيشة
كحلين وغريين في العلفة جاو متساويين
في لامتهم اتكول علامة حافـظـيـن لامـــة
عندما
نمعن النظر في هذه المقطوعة نلاحظ أنها تعبر عن موقف تخاطبي، حيث تخاطب
الشاعرة نفسها وهي تستحضر جزءا من ماضيها، حيث سعت إلى التعبير عن
معاناتها من خلال التكرار (شفت / ما شفت) لتؤكد أنها تعيش حالة عدم
استقرار، وقد جانست بين لفظتين (علامة / لامة) وهو جناس لفظي جزئي لأنه
ناقص .
وعموما فإن جناسات (حادة) لا تخرج عن إفادة المعنى أو بيان نوعه
بالشكل الذي تقصده، وتزداد المقاييس إيضاحا بتقنية أسلوبية أخرى تكاد
تعرفها جل أشعار "حويدة، خربوشة" وهي تداعي الدلالة الذي يتأتى من تجاوز
الألفاظ المشروحة أو الشارحة أو المشتقة كقولها في عيطة «رجانا في العالي»:
كحلين وغريين في العلفة جاو متساويين
فلفظة "كحلين" أي أن لونهم أسود تؤكدها لفظة "غريين" أي أن لونهم أشد سوادا. وفي عيطة «خربوشة» جاء قولها:
بابا لغليمي سيدي احمد لعطفة يا بن عباد
زين الصيدة زين السلاك عيسى بن عمر
فالملاحظ
أن جملة "زين السلاك" تشرح جملة "زين الصيدة"، لأنه من المعروف أن
"السلاك" (جمع سلوقي) عنصر أساسي في تكوين خلية الصيد، بالإضافة إلى
الخيول العربية الجيدة ذات اللون الأسود. إن اختيار الشاعرة للون الأسود
لم يأت عبثا، فالخصائص الفيزيقية تجعل منه لونا أسود بيد أن المعنى
الإيحائي يدل على الحزن والتشاؤم، هذا ما تعبر عنه أوصاف حادة (خربوشة،
زروالة، لكريدة) فذمامة وجهها وقبحه جعلها تنزح إلى هذا اللون لتخلق
لنفسها فضاء شعريا تتنفس من خلاله، وبذلك يبدو التطابق في الإيقاع بين
ركني التجانس في كل مثال يعانقه تطابق واتحاد في مدى شعور الشاعرة بالرغم
من تباين الدلالة بينهما، وهنا تبرز مهمة الشاعرة في الجمع بين العناصر
اللغوية المتباعدة التي توحدها في عاطفتها ووجدانها.
خربوشة الملحمة:
إن
ملحمة خربوشة ليست بالعمل الهين، وكل مقاربة نقدية وتصويرية لها لا تخلو
من مجازفة.. لكنها تستحق ذلك، فهذه المرأة التي كتب لها أن توأد حية في
حائط، وأن تخلد ذكرها وذكر من عاصرها بعيوطها لحري بنا نحن العاشقون لفن
العيطة أن نعمل على إحيائها إبداعيا.
إنه عمل مشوق.. مثير.. متسفز..
مخيف ومحبوب في نفس الوقت.. تخاف منه وعليه.. فحواه العميقة ذات بعدين
أولهما اجتماعي سياسي يتجسد في مقاومة ظلم السلطة لا بالعنف والسلاح
الأبيض كما الناري، وإنما بالفن.. فن الإنشاد الشعبي المختزل في مصطلح
واحد ألا وهو "العيطة".
أما ثاني البعدين الذي رمناه في فحوى
سيناريو خربوشة - بعد البعد الاجتماعي والسياسي - فهو فني تراثي ألا وهو
تكريم فن العيطة في حد ذاته، ترميمه والحفاظ عليه مع تنظيفه وتخليصه مما
شابه من قاذورات كثير منها لطخه بها الاستعمار في محاولة لتشويهه ونعته
بفن الدعارة، البغاء وتزلف رجال المخزن، وللازورار بالعيطة عن واحد من أشد
أهدافها نبلا ألا وهو النضال ضد الاستعمار وضد كل أوجه الفساد واستبداد
السلطة، ولنا في عيوط خربوشة خير مثال: إلى درجة أنه وإلى حدود منتصف
القرن العشرين غداة نفي الملك محمد الخامس أصبح عدد من الشيوخ يلتجئ إلى
الرمز والاستعارة لتمرير الخطاب السياسي والنضالي في عيوطهم، منه ما أصبح
يردد في عيطة «حاجتي في كريني» التي هي أصلا من نضم خربوشة، حيث أضيفت
إليها أبيات ذات إيحاءات غزلية بل وجنسية بحتة، في حين أنها تتغنى بجمال
الراية المغربية التي استبدلت حمرتها بحمرة أقدام المعشوقة، كما تم تغيير
اخضرار النجمة الخماسية التي تتوسطها باخضرار الوشم الذي يزين محيى هذه
المعشوقة أيضا:
واجيني يا حمرة الاقدام ووتاك الله بالاوشام
والفيم احمر على الدوم والوليد إلى وليدكم
وإلى ما كلتوش وليدكم يا وهزي السروال حتى يبان وشامو
"فالوليد"
المعني هنا هو محمد الخامس، وأما الشطر الآخر ذو الإيحـاء الجنسي "هزي
السروال ..." فهو فقط لإيهام أعوان السلطة وأذناب الاستعمار من مقدمين
وشيوخ وخونة بصفة عامة ممن كانوا يترجمون كلام العيوط النضالي إلى
المستعمر الفرنسي.. ولازالت هذه الأبيات تردد إلى الآن في العيطة المذكورة
إلا أن هناك بعض "الرباعات" أو فرق الشيخات من يأنف من ترديد هذا الشطر
فيغيره بالأصل الذي نضمته وغنته حادة الزيدية وهو:
يا وهزي الحسكة وطلعي للصالة أزروالة .