دفاتر مقالات الرأي والتقارير الصحفية التربويةهنا نرتب أهم وآخر مقالات الرأي والتقارير الصحفية الواردة بالصحافة الوطنية والمتعلقة بموضوع التربية والتعليم
بأصوات متعددة: كيف نصنع قارئا؟
محمود عبد الغني :::::::الاتحاد الاشتراكي يوم 16 - 12 - 2014 ================================================== =====
طرحت عليهم السؤال: ماذا تقرؤون؟ سمعت صمتهم. جلت بالنظر على الوجوه. بدأ البعض يحني رقبته، وحين أطلت النظر إليه انحنى أكثر ثم أخفى وجهه وراء الذي يجلس أمامه. نظرت للذي أمامه، فقام بنفس الشيء؛ أخفى وجهه وراء التي تجلس أمامه. نظرت للتي تجلس أمامه؛ فقامت بنفس الشيء. بقيت أنظر إلى الوجوه، وبقيت الوجوه تختفي، إلى أن ارتفع أصبع وأجاب: أنا أقرأ كتاب «ألفية ابن مالك». سألت: ماذا تقرئين من الألفية؟ سمعت الصمت. ولما انتظرت لحظة ربما تستجمع أفكارها أو تتذكر شيئا مما قرأته في كتاب ابن مالك، رأيت أن الرأس انحنى واختفى وراء الذي يجلس أمامه. قلت لهم: من الآن سأطرح عليكم هذا السؤال، ومن يجيب ويتحدث عن الكتاب الذي يقرأ سأمنحه نقطا إضافية، إضافة إلى امتيازات أخرى.
في حصة الأسبوع التالي، طرحت نفس السؤال: ماذا تقرؤون؟ سمعت صمتا أكثر كثافة من صمت الأسبوع الماضي. رفع واحد يده: أنا أقرأ كتابا للناقد المصري عبد المنعم تليمة، ورفع الكتاب بيده. سألته لماذا وقع اختيارك على هذا الكتاب؟ أجاب بأنه يساعده في التعرف على مناهج النقد الحديث. سألت الآخرين، بعد ان تخفف قلقي وتوتري: ماذا تقرؤون؟ ألا تقرؤون؟ إذا لم يقرأ الطالب فمن يقرأ؟ واستشهدت بطلبة أستاذ في جامعة أمريكية بدا يستشهد بنصوص لتودوروف من كتابه «الشعرية»، فاعترض الطلبة لأن ما يقرأه الأستاذ من نصوص غير موجودة في الكتاب. فتبين للأستاذ أن الأستاذ يعتمد نسخة فيما يعتمد الطلبة نسخة ثانية منقحة. القصة أوردها تودوروف بنفسه، وهدفه منها هو إثباته أن دراسة نظرية في الشعرية لا يمكن أن تنتهي أو تعرف حدودا، بل إنها قد تستغرق العمر كله. سمعت صوتا خافتا من بينهم يقول: ذلك يحدث في أميركا. هوووووب. ها هي مشكلة جديدة. هذا فرد يحتقر نفسه، ويرى نفسه صغيرا أمام فرد آخر في قارة أخرى. هذا فرد يجد نفسه بلا روافد، بلا ينابيع. فرد مختلف عن الآخرين، وهو يعي اختلافه وأزمته. كان من الضروري ان أصحح وأعالج وأغير هذه الفكرة. قلت هل تعلم بأن بعض الطلبة في ألمانيا يحضرون محاضرات في السابعة صباحا؟ أجاب صوت آخر: ذلك في ألمانيا. قلت: نعم، صحيح، في السابعة صباحا. هذا ما كتبه الفيلسوف «هانس جورج غادامير» في سيرته الذاتية. وأضفت هل لكم علم بسلسلة محاضرات وندوات تلقى يوم الأحد في جامعات فرنسية، وموضوعها هو الترجمة، وأظن أنها تسمى «آحاد الترجمة»؟ أجاب صوت آخر: ذلك في فرنسا. قلت: هذا هو الغرض من سؤالي، أن تعرفوا ما يحدث في العالم. فما يبدو غريبا عنا هو مألوف لدى الآخرين الذين هم مثلكم، ومثل الجميع. سمعت صمتهم، رأيت تغير لون وجوههم، سمعت تسارع دقات قلوبهم. وفي الأسبوع التالي سألتهم: ماذا تقرؤون؟ ارتفعت الأيادي. حرت لمن سآذن بالكلام. اخترت عشوائيا واحدا، قال: أقرأ رواية للكاتبة المصرية التي توفيت مؤخرا: رضوى عاشور. وقال آخر إنه يقرأ لمحمد زفزاف. وقالت أخرى انها تقرأ رواية لربيعة ريحان. وقال آخر إنه يقرأ رحلة ابن بطوطة... بقيت الأيادي ترتفع تريد الجواب، بل هناك أياد رفعت عاليا الكتب. أما انأ فكدت أبكي من سعادتي.