ماذا يريد المغرب من اتفاقيات التبادل الحر؟
بادر المغرب مؤخرا إلى توقيع اتفاقيات للتبادل الحر مع أقطار متعددة....، والتي يتم بموجبها إلغاء الرسوم الجمركية. هذه الاتفاقيات تباينت الآراء حولها بين الفاعلين في مختلف القطاعات المنتجة من أرباب الشركات و المصانع، الحرفيين...، الذين يرون فيها تهديدا حقيقيا لمنتجاتهم التي لاحول ولا قوة لها أمام قوة تنافسية نظيرتها القادمة من الخارج من جهة، وذلك المواطن العادي من جهة أخرى، والدي يرى فيها فرصة لاستكشاف منتجات بأسعار مناسبة بالدرجة الأولى، وبدرجة اقل جودة عالية. ففي أحيان كثيرة، وحتى وان غاب عامل الجودة فيبقى الأمر دون أهمية كبرى مادام السعر يناسب إمكانياته المادية المحدودة جدا، ولعل خير دليل على ذلك شركة صناعة السيارات الصينية (KIA)
التي تمكنت وفي عامها الأول من احتلال المرتبة الرابعة في السوق المغربية برقم مبيعات مهم. على غرار المواطن، الدولة كذلك كان لها موقفها الخاص، إذ بين الرغبة في التحرير وهاجس التخوفات من الانعكاسات السلبية، وجدت نفسها بين المطرقة والسندان:
- من الناحية الأولى: بالنظر إلى الاقتصاد المنهلك أصلا، كان لزاما على الدولة حماية المنتجات الوطنية. على هذا الأساس لجأ المغرب إلى اعتماد ما يمكن تسميته بالتبادل نصف حر، حيث عمل على تقنين هذا التبادل ليشمل بالخصوص المنتجات التي لازال عاجزا عن تحقيق اكتفائه الذاتي منها، وبنسب في حدود تغطية هذا العجز، مثل القمح،السكر...، ليبقى السؤال القديم الجديد، كيف لبلد ذو توجه فلاحي بامتياز أن لا يحقق اكتفاءه الذاتي من المنتجات الفلاحية؟
- من الناحية الثانية: بدا اقتناع مسئولينا باستحالة تحقيق أية قفزة اقتصادية بالاعتماد على إمكانياتنا الذاتية يكبر يوما بعد يوم، ومع كبره بدأ المغرب يفكر تفكيرا جديا في تحرير سوقه الداخلية تحريرا كاملا، وليس جزئيا، معلقا بذلك آمال كبيرة على هكذا خطوة من اجل تحريك عجلة الاقتصاد الوطني التي ما فتئت تراوح مكانها منذ عقود، وتشغيل الأعداد الهائلة من المعطلين. إن المتتبع لهذه الاتفاقيات يلاحظ أنها تشمل بالخصوص أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية. فلماذا إذا أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية معا؟ بكل بساطة فالمغرب يحاول أن يجعل من أرضه مكانا للاستثمارات القادمة من كلتا الجهتين ، فمثلا عند ما يعلم هذا المستتمر الأمريكي الذي يصدر الصلب إلى أوربا بأن المغرب تربطه اتفاقيات للتبادل الحر مع كل من بلده وأوروبا، فهو حتما سيفضل أن يكون بلدنا منطلقا لصادراته. فبغض النظر عما يوفره المغرب من يد عاملة نشيطة و بخسة، وإعفاءات ضريبية...،فان هذا المستثمر يرى ماهو أهم من هذا كله، حيث انه ومن خلال استثماره ببلدنا يستطيع إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد، استيراد المادة الخام من الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إعفاء كامل من الرسوم الجمركية، تصدير المنتوج بعد تصنيعه بالمغرب إلى أوربا وكذلك في ظل إعفاء كامل من الرسوم الجمركية، إضافة إلى الاستفادة من يد عاملة رخيصة جدا إلى حدود المجانية.... وبطبيعة الحال ماينطبق على المستثمر الأمريكي ينطبق و بالحرف على المستثمر الأوربي، والسبب الرئيسي في هذه العملية التي تبدو في ظاهرها معقدة وما ابسطها في جوهرها هو أن كل من أوربا والولايات المتحدة لاتربطهما اتفاقيات مشتركة للتبادل الحر، حيث أن كل طرف يحاول حماية اقتصاده القوي أصلا، أما من لا اقتصاد له فيحاول أن يعوض بالتوقيع هنا وهناك .... لكن على مسئولينا أن يعوا أن جرات القلم هاته قد لاتاتي بالنتائج المتوخاة منها، وبالتالي تكون النتيجة الوحيدة هي اغتيال منتجاتنا المحلية -على قلتها- في عقر دارها، خاصة إذا علمنا أن المستثمر يفضل الاستثمار بالدرجة الأولى في بعض القطاعات التي لاتساهم لا في تنمية الاقتصاد ولا في تشغيل اليد العاملة كالعقار،الخدمات... ، على اعتبار أن عامل الخسارة يكاد يكون منعدما، ويترك الاستثمار في القطاعات المنتجة التي تساهم في تنمية الاقتصاد وتشغيل يدا عاملة مهمة كالصناعة، الفلاحة... ، ودلك على اعتبار أن عامل الخسارة يبقى واردا جدا.