أم السجين
امرأة ورعة تقية صالحة ، عجوز تجاوزت الثمانين من عمرها ، لا يفترلسانها عن ذكر الله ، تتهجد ليلا وتصوم نهارا ، وتقضي جل باقي أوقاتها في قص أحداث ابنها الذي فقدته ولم تدر ما حدث له منذ اختفائه قبل سنوات إلى الآن .
حفظها عن ظهر قلب كل الأبناء والأحفاد .
لا تعلم شيئا عن هذا المفقود ، سوى أنه كان من أنجب وأنشط أساتذة الجامعة بمدينته ، وآخر عهدها به أنه ودعها وأسر لزوجته أنه سيقضي الأمسية مع بعض زملائه على رصيف مقهى الحرية بالشارع الرئيسي .
لكن خيالها نسج لها عدة صور وأوضاع .
تارة تتصوره لاهيا عنها مشغولا بفتنه ودواهيه ،
وأخرى تراه متلهفا لها مستنجدا بها مادا اليد طالبا العون والغوث .
وثالثة تلاحظه بائسا مهموما حزينا .
ولم تشاهده قط في حالة مرح أو فرح وانشراح ، فأيقنت جازمة بأن ابنها مصاب - لا محالة - بمكروه .
انتظرت عودته طويلا وبكت لوعة غيبته القسرية حتى نقشت الدموع أخاديد عميقة على وجنتيها ، وكلت مقلتاها لما جفت دموعها وأبت عيناها التجواب مع أحزانها .
ضعف بصرها رويدا حتى خبا ضوؤه وانحسرت رؤيته ، وعوضته بتتبع آلامها وأحداثها بنور بصيرتها . التي زودتها بطاقة داخلية هائلة ، جابت بها عالما فسيحا ممتدا بلا نهاية في الآفاق . فعثرت على آثار ابنها المفقود .
وبشرت من حولها - فيما تنسج لأبنائها وأحفادها من قصص شيقة ومثيرة - بعودته على قدميه يمشي ، حاملا لواء الصبر والتحدي .
صدقت أهاجيسها ،
وصنعت منها عالما خاصا بها تستمتع بذكرياته وتعيش على معسول وعوده وآماله .
رغم حزنها على فراق زوجها الذي وافته المنية بعد غياب ابنه بأشهر ، وحزنها على مرض ابنها الصغير ثم وفاته بعد ذلك بسنتين . إلا أنه كان حزنا طبيعيا مع فقدان الأمل في القريب الهالك ،
بخلاف المفقود الذي تتوقع كل لحظة بزوغ هلاله وظهور طلعته في حياتها .
واليوم قبل تسلل أشعة الشمس إلى مرقد العجوز ، فوجئت بسماع الحديث عن الغريب الذي اقتحم البيت وأصر على البقاء به وألح على لقاء أهله .
لم تصدق الأم العجوز ما يحدث ، أصغت جيدا ، وأرهفت السمع وهي مسجية فوق سريرها ببيتها الخاص ... إنها رائحة قريب عزيز ، لعله هو الغريب المعثور عليه بالبهو . ..
أزاحت الأغطية جانبا وقفزت من فوق السرير ،
تحاملت وامتطت كرسيها المتحرك، ودلجت نحو مصدر الصوت
عند وصولها عرفها الغريب وناداها : أمي .
فارتمت في أحضانه وصاحت بأعلى صوتها الشجي المبحوح :
ابني الحبيب ...
ابني الحبي ...
ابني الح.
من شدة الفرحة ووقعها فقدت وعيها وغابت عن الوجود ، ولما أفاقت وجدت نفسها على سرير المصحة بجانب ابنها العائد وباقي أسرتها : أبناء وأحفادا وأهلا وأصدقاء
فرفعت أكف الضراعة والاتبهال تشكر العلي القدير، على عودة ابنها المفقود بعد فقدان الأمل وحلول اليأس ردحا غير يسير.
استعجلت مغادرتها للسرير بالمصحة .
إلا أن الطبيب المعالج يرى ضرورة بقائها مع ابنها مدة قد تطول
كتبها الحواط (محمد الطيب)