محمد اقباش Monday, November 17, 2008 قبل بضعة اشهر، تعرض أستاذ يعمل بإحدى ثانويات الجنوب لحادث تعنيف من طرف ضابط بالجيش برتبة كولونيل ،وكان أن ترصد له بباب المؤسسة ، واختلق له المقلب الضروري للانقضاض عليه قبل أن يفتر أجيج غضبه. كل ما في الأمر أن الأستاذ سولت له نفسه أن يمارس جريمة الحرص على نزاهة الامتحانات حينما هاجم ابن الكولونيل المدلل الأعزل الذي لا ذنب له إلا إصراره على تجسيد وتمثل أحد أركان الفساد المستشري في مجتمعه ، وامتثاله لتوجيهات أبيه المتعالية على القوانين. وأما الحدث الثاني فكان مسرحه إعدادية ابن الأثير بالدار البيضاء ،حينما اقتحم قائد المقاطعة مقر المؤسسة من الباب الخلفي واتجه رأسا نحو المدير، وقبل أن يحاول هذا الأخير شرح موضوع الخلاف ، سدد له القائد صفعة مدوية حتى طار ريقه ، إخلاصا لمنطق الوصاية التي لا يعرف الكثير من رجال السلطة حدودها او على الأقل يتجاهلونها، فتتحول إلى شطط سافر أو تتبع لا ضرورة له إن الوصاية التي لوزارة الداخلية على المصالح الخارجية للوزارات الأخرى لا يمكن ان تكون بالأسلوب الطائش الذي أقدم عليه هذا القائد ولا يمكن أن تتضمن ذات الوصاية في أحد بنودها قانونا جزائيا يقضي بركل أو صفع كل ثبتت مخالفته للتعليمات المخزنية كما يحدث في نظام طالبان الأفغاني .. إذن فتصرف هذا القائد مزاجي و خارج عن نطاق مأموريته كمتصرف في شؤون عمومية،ومجانب للسلوك المتزن المفروض أن تلتزم به وزارة تريد أو تدعي تكييف مقتضياتها القانونية والإجرائية لإرادة جلالة الملك. مطلوب إذن من وزارة الداخلية قبل غيرها ،إن أرادت أن تشرف نفسها،أن تنزل ما يناسب من العقوبات الإدارية على القائد لأنه ببساطة أساء إلى التزاماته بتصرفه الأرعن .هذا وعلى الجهات الأخرى،قضائية وغيرها ،التدخل كل حسب اختصاصه ودرجة تأثيره . ولكن قبل هذا وذاك فقد قامت جهات جمعوية وحقوقية مشكورة بالمطلوب حينما تظاهر المئات منهم أمام مقر المقاطعة منددين بهذا الوضع الشاذ. وهكذ فما اختصرنا في سرد تفاصيله آنفا يعطي الانطباع بأن جيلا غير مسبوق من المربين الجدد أخذ المشعل وصار يزاحم رجال التربية والتعليم في مهام لا يحسدون عليها في زمن ضياع البوصلة .ولكن الغريب والمستحدث في الأمر أن الاعتداء جاء من طرف موظف عمومي على موظف عمومي قد يوازيه أويفوقه في الدرجة، بل الأمر أكثر من هذا فقد امتدت أيدي هؤلاء المربين الجدد إلى أشخاص يجسدون عنوان الكرامة والإباء،وهم بحق أهل للتبجيل وليس للتنكيل،ولكن شاءت الأقدار الماكرة ان تقلب الموازين وتجعل من التعليم وأهله كيسا للتدرب على الملاكمة بعد أن نفضت الدولة من التعليم العمومي أو تكاد ،وتبرأ منه المجتمع عن طريق الإزدراء والتقزيم. أن ما أقبل عليه هذا القائد وقبله ذلك الضابط يؤشر على خسارة كبيرة للقيم بمطلق المعنى ،وعلى تغول غير مسبوق للجهاز المخزني ،تغول مرضي سرطاني سيتأذى منه الجهاز نفسه والأمة بأسرها لأنه سيأتي حتى على الخلايا السليمة فيه. ولسوف يكون مقبولا لو أن هذا الاعتداء صدر عن شخص ذاتي أي خارج الصفة الوظيفية،ولكان ممكنا إصلاح ذات البين بمساع حميدة من هذا الطرف او ذاك كما يحدث في عدة حالات .ولكن،والحالة هذه،أن صاحب الحال يمثل جهة عمومية رسمية والموضوع الذي حصل في شأنه الاعتداء هو عمومي كذلك .فليس من الغريب إذن أن نشهد مستقبلا صراعا منفلتا للإرادات يكون خلفية طبيعية لصراع الإدارات وهنا لا يمكن الحديث عن الانسجام المفترض في أداء المؤسسات ولا عن المصلحة العامة،لأنه ببساطة كل ذلك مرهون بنوازع تحقيق الذات ومطالب الهيمنة عند هذا الطرف أوذلك. نحن إذن أشبه ما نكون إزاء تفويض غير علني لصلاحيات التربية وتهذيب السلوك إلى هؤلاء المربين الجدد الذين لا يتورعون من استخدام عضلاتهم كلما دعت الضرورة. ولكن من يسمح لهذا الوضع بأن يتكرر ولشروطه أن تتجدد؟ هل طبيعة المجتمع المتشبعة برواسب الخوف الموروث ، وهواجس التوجس من الذهاب بعيدا في مضمار نصرة الحق والكرامة والمطالبة بهما غير منقوصين ؟ أو التواطؤ الرسمي ذو الأثر الفعال الذي يسمح بمعاودة ظاهرة تغول الأجهزة المخزنية وبطشها بنظيراتها المدنية؟ أم فتور همة بعض الأطر المحسوبة على الوظيفة العمومية المجردة من سلاح السلطة ، والتي لا يضيرها أن تتمرغ كرامتها في الوحل، لأن شعارها؛ الوعاء المعوي أولا والكرامة لاحقا .إذ تكفي التفاتة تصالحية لطي الصفحة والتنازل عن قضية تتناسل وتتعاظم كلما صادفت ارتخاء وضعفا في أساليب التصدي. منقول عن جريدة هسبريس.