المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عقيدة اهل السنة:َتحريم الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّة المسلمين وَوُلَاةِ أُمُورِهم.


محمد بن عمر
10-01-2009, 13:14
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عقيدة اهل السنة و الجماعة: "َتحريم الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّة المسلمين وَوُلَاةِ أُمُورِهم وَإِنْ جَارُوا".




قال الامام الطحاوي رحمه الله.:


"وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - عز وجل - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ."



قال الشارح ابن ابي العز رحمه الله تعالى:


فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ والسنة على وُجُوبِ طَاعَة أُولِي الْأَمْرِ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَة،


فَتَأَمَّلْ قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} - كَيْفَ قَالَ:"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ"، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ؟ لِأَنَّ أُولِي الْأَمْرِ لَا يُفْرَدُونَ بِالطَّاعَة، بَلْ يُطَاعُونَ فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله.


وَأَعَادَ الْفِعْلَ مَعَ الرَّسُولِ [ للدلالة على أن مَنْ أطِاعِ الرَّسُولَ ] فَقَدْ أَطَاعَ الله، فَإِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لَا يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، بَلْ هُوَ مَعْصُومٌ في ذَلِكَ،


وَأَمَّا وَلِي الْأَمْرِ فَقَدْ يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، فَلَا يُطَاعُ إِلَّا فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله.


وَأَمَّا لُزُومُ طَاعَتِهِمْ وَإِنْ جَارُوا، فلأنه يَتَرَتَّبُ على الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ جَوْرِهِمْ،


بَلْ في الصَّبْرِ على جَوْرِهِمْ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَة الْأُجُورِ، فَإِنَّ الله تعالى مَا سَلَّطَهُمْ عَلَيْنَا إِلَّا لِفَسَادِ أَعْمَالِنَا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ،


فَعَلَيْنَا الِاجْتِهَادُ بالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَة وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ. قَالَ تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}


وَقَالَ تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}


وَقَالَ تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.


{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.


فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّة أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ، فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ.


وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ: أنه جَاءَ في بَعْضِ كُتُبِ الله:"أَنَا الله مَالِكُ الْمُلْكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَمَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عليه رحمة، وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عليه نِقْمَة، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِسَبِّ الْمُلُوكِ، لَكِنْ تُوبُوا أعطفهُمْ عَلَيْكُمْ".



و قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:


قال الطحاوي رحمه الله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا).


هذه الجملة يذكر فيها العقيدة التي أجمع عليها أئمة السلف الصالح ودوَّنُوهَا في عقائدهم وجعلوا من خالفها مُخالِفَاً للسّنة وللجماعة بأنّا (لَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)؛
يعني الخروج بالسيف بالبغي عليهم أو بتشتيت الاجتماع وتفريق الكلمة، أو باعتقاد الخروج، أو باعتقاد جوازه أو ذهاب مذهب من أجازه-كما سيأتي-.


فقوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ)،
(وَلَا نَرَى) يعني أهل السنة والجماعة المُتَّبِعِينَ للأثر ولهدي السلف ولما كان عليه الصحابة ولِما دلَّتْ عليه الأدلة،
هؤلاء لا يَرَوْن الخروج على الأئمة وولاة الأمر حتى ولو كان عندهم جور وطغيان وظلم، فإنه يجب أن يُطاعوا؛ لأن طاعتهم فريضة، .


ثم ذكر الشيخ صالح مسائل و قال في الثالثة و الرابعة منها:


" الخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف ، منهم الخوارج والمعتزلة ، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


والذي عليه الصحابة جميعاً وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.


والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواتراً معنوياً، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.


فإذاً أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي رضي الله عنه؛ بل قبل ذلك على عثمان وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.


وتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهاداً في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواتراً معنوياً مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.


هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي رحمه الله دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:


أمّا القرآن فمنه قول الله - عز وجل - {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النساء:80]
ووجه الدلالة منه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني».


وقال الله - عز وجل - أيضا في سورة النساء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]،
قال ابن القيم رحمه الله وقاله غيره أيضاً: لفظ {أَطِيعُوا} جاء في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛
يعني الأمر بالفعل {أَطِيعُوا} ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل {أَطِيعُوا}، فقال {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}
قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالاً؛
ولأنَّ طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تجب استقلالاً،
وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعَاً لا استقلالاً.


لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ ناراً وأمر الناس أن يقتحموها،
فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار،يعني بالإيمان والإسلام،
فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها»؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله - عز وجل -، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.


ومن الأدلة قول الله - عز وجل - {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[ص:26] الآية،
ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله - عز وجل - أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْر للأنبياء أَمْر لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد،
فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.


ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم
«من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني».


وأيضاً ثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».


وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.


وأيضاً ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال
«من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يداً من طاعة».


وأيضاً صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».


وأيضاً في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه صلى الله عليه وسلم قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، ثم سئل صلى الله عليه وسلم فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة».


وأيضاً صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
«من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر».


والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جداً وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.
وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملاً وإما اعتقاداً -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.



انتهى نقل المقصود.




نسال الله عز و جل ان يحفظ بلادنا من دعاة الفتنة و الثورات .

كما نساله جل في علاه ان يحفظ امير المؤمنين و حامي حمى الملة و الدين محمد السادس .

و ان يعم بلادنا و سائر بلاد المسلمين بالامن و الرخاء و العزة.



و الله و لي التوفيق.

خالد السوسي
10-01-2009, 19:53
جزاكم الله خيرا أخي الفاضل محمد وبارك الله فيكم ووفقكم وسدد خطاكم ويسر كافة أموركم وتبثنا جميعا على صراطه المستقيم

amine al oumma
10-01-2009, 20:09
نعم الكلام بارك الله فيك، فالعلماء وأقوالهم ملح الأمة وسدادها. ولكن هذه المسألة التي أثرتموها هي تدخل في باب الاجتهاد وهناك من العلماء من له رأي موثق غير هذا. وللتذكير فقط فإن الأراء الفقهية والفتاوى وغيرها ترتبط بشكل وثيق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كذلك، من تمة فهي قابلة للتغيير والتطوير، ولكن الأصل واحد والمصدر واحد، والله أعلم.

أبو حسام الهواري
11-01-2009, 07:55
شكر الله لك حبذا لو كان الموضوع مختصرا في نقط عريضة أمام كل نقطة آية أو حديثا للإستشهاد بلون مغاير ... حتى قراءته ... و تصل رسالتك

nejmi_1
11-01-2009, 09:45
شكرا أخي على هذه الإفادة القيمة.

محمد بن عمر
11-01-2009, 09:57
بوركتم على المرور.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

بالنسبة للاخ ابي حسام: و الله لقد اختصرت كلام العلماء، فكان ماترى.بل وتركت الشيء الكثير المفيد و الله المستعان.

و من اراد المزيد من التوسع هي هذا الباب فعليه بشرح العقيدة الطحاوية لابن ابي العز الحنفي بتخريج الشيخ الالباني، و هو كما يقول العلماء احسن الشروح على هذه العقيدة النقية التي نسأل الله عز وجل ان يميتنا عليها.

وفق الله الجميع لما يحب و يرضى.

عفوا
11-01-2009, 10:09
بارك الله فيك لكن الأمر يتوقف على تفسير ((منكم)) في الآية الكريمة , اذا كانوا منا يحسون بما نحس به هل اخترناهم ام ورثونا عن آباءهم و أجدادهم ... لكن إذا تجبروا و تسلطوا على الأمة و كسروا رقبتها و أخضعوها لغير دين الله , و إنما لأهوائهم و شهواتهم ورفعوا راية الظلم عوض العدل و والوا الكفار عوض المومنين... فيا ترى ما الحكم فيهم. و جلسوا يتفرجون على دماء إخوانهم و لم يستنكروا حتى... لا أدري هل بعد ذلك من طاعة يا سيدي...

فاطمة -الزهراء
11-01-2009, 16:31
بارك الله فيكم

محمد بن عمر
12-01-2009, 07:18
و فيكم بارك.



لاباس طهور ان شاء الله.
نسال الله الشفاء لاختك.

خالد السوسي
16-01-2009, 10:50
السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين أصل عظيم من أصول عقيدتنا الإسلامية، فقد خصها علماء السلف بمزيد عناية في كتبهم، فلا تكاد تجد كتاباً من كتبهم في باب العقائد إلا وقد تطرق إلى تقرير هذا الأصل العظيم وتفصيله وبيانه، وذلك لما له من أهمية كبرى ومكانة عظمى؛ فبولاة الأمر تنتظم مصالح المسلمين، وتجتع كلمتهم، وتؤمن سبلهم، وتقام صلاتهم، وبدونهم تتعطل الأحكام، وتعم الفوضى، ويختل الأمن، ولا يأمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

قال شيخ الإسلام بن تيمية في كتابه (السياسة الشرعية) (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدّين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس) إلى أن قال رحمه الله: (ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من ال**** والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة).

ثم إن طاعة ولاة أمور المسلمين مما عُلم وجوبه من دين الله بالضرورة، وتضافرت عليه نصوص الشريعة.

فمما يدل على عظم شأن طاعة ولاة الأمر أن الله عز وجل قرنها بطاعته سبحانه وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم-، فقال جل شأنه:{أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.

قال ابن كثير - رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:{وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء).

وأما الأحاديث الواردة في وجوب السمع والطاعة، فهي كثيرة بلغت حد التواتر، فمن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: (أمر بطاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة).

قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: (وفيه أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب).

ونهى صلوات ربي وسلامه عليه عن قتال الأمراء ولو كانوا ظالمين، ما أقاموا الصلاة، فعن أم سلمة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (سيكون بعدي أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) أخرجه مسلم.

كما نهى عن الخروج عليهم ومنازلتهم وقتالهم، إلا إذا أتوا كفراً صريحاً عندنا فيه برهان من الله تعالى: فقد ثبت في الصحيحين عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه- قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في السر والعلن، وعلى النفقة في العسر واليسر والأثرة، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن نرى كفراً بواحاً، عندنا فيه من الله برهان).

وقضى - صلى الله عليه وسلم- بوجوب طاعة الأمراء وإن بلغوا في الجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ، ولا يستنون بسنتي . وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ) قال قلت : كيف أصنع ؟ يا رسول الله ! إن أدركت ذلك ؟ قال ( تسمع وتطيع للأمير . وإن ضرب ظهرك . وأخذ مالك . فاسمع وأطع ) . أخرجه مسلم.

وبلغ من تأكيده - صلى الله عليه وسلم- على وجوب طاعة ولي الأمر أن أمر بطاعته وإن كان عبداً حبشياً، فروى البخاري عن أنس - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل يا رسول الله كأنها موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة) الراوي العرباض بن سارية رضي الله عنه
وقال عليه الصلاة والسلام (اسمعوا و أطيعوا و إن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) الراوي أنس بن مالك رضي الله عنه
و من أصول عقيدة أهل السنة، لزوم الجماعة، وهم سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: الذين اجتمعوا على الكتاب والسنة، وساروا على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ظاهراً وباطناً.

ودلَّ على وجوب لزوم الجماعة كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} الآية.

ذكر ابن جرير - رحمه الله- في تفسيره أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (حبل الله، الجماعة).

فهذا دليل ظاهر على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم جماعة المسلمين، ونهي صريح عن الاختلاف والتفرق.

كما قال سبحانه محذراً من الافتراق في الدين:{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.

وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه- قال: (كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) إلى أن قال: (قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) الحديث. متفق عليه.

قال ابن حجر - رحمه الله- في فتح الباري: (قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور).

وكان سلف الأمة يأمرون ويحثون على لزوم الجماعة، فقد أخرج اللالكائي في اعتقاد أهل السنة، عن ثابت بن العجلان قال: (أدركت أنس بن مالك، وابن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاؤوس ومجاهد، وعبدالله بن أبي مليكة، والزهري، ومكحولاً، والقاسم أبا عبدالرحمن، وعطاء الخراساني، وثابتاً البنائي، والحكم بن عتبة، وأيوب السختياني، وحماداً، ومحمد بن سيرين، وأبا عامر، ويزيد الرقاشي، وسليمان بن موسى، كلهم يأمروني بالجماعة وينهوني عن أصحاب الأهواء).
**********************

وهذه باقة اضافية من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الموضوع ذاته

1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعــش منكم فسيرى اخـتـلافـا كثيراً، فعـليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين عـضو عـليها بالـنـواجـذ، واياكم ومـحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة "

رواه أبو داود:4607، والترمذي:2676، وقال: حديث حسن صحيح.

2-و قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )). متفق عليه .

3-و قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله )). أخرجه الإمام أحمد والبيهقي.

4- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )). أخرجه البخاري .

5- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية )). أخرجه البخاري.

6- عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( ستكون أثرة وأمور تنكرونها )) قالوا : يا رسول الله، فما تأمرنا ؟ قال: (( تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم )). أخرجه البخاري.

ومن إجماع علماء الأمة والصحابة على وجوب طاعة ولاة الأمور:

1/ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( وأما أهل العِلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرف من عادات أهل السُنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم ). مجموع الفتاوى 35/12 .

2/- قال النووي رحمه الله: ( أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ). شرح مسلم-12/222 .

- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قال ابن بطال: ( وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، وال**** معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن للدماء، وتسكين الدهماء ). فتح الباري 13/7 .

3/- قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله، في رسالته إلى أهل الثغر ص296: ( وأجمعوا – أي العلماء – على السمع والطاعة لأئمة المسلمين ).


4/- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر ). عيون الأخبار.


5/ - قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ( إن أول نفاق المرء طعنة على إمامه) . البيهقي- شعب الإيمان.

6/ - قال ابن تيمية رحمه الله: ( الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السُنة والجماعة ). الفتاوى 28/179 .

7/ - قال البربهاري رحمه الله: ( إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم انه صاحب سُنة إن شاء الله ). شرح السُنة.

8/ - قال الفضيل بن عياض رحمه الله: ( لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان ).شرح السنة.
الواجب على كل مسلم الالتزام بمنهج سلف هذه الأمة من السمع والطاعة ولزوم الجماعة، وأن يسعه ما وسعهم، فإن الخير كل الخير في اتباعهم، وبذلك يحصل الفوز المبين والفلاح العظيم.

ملاك أم يحيى
16-01-2009, 18:35
جزاك الله خيرا

و تقبل منك الله هذا العمل

محمد بن عمر
17-01-2009, 13:51
و جزاكم .
و بارك الله فيك اخي خالد على الاضافة المفيدة.
وفق الله الجميع لطاعته.