محمد معمري
25-03-2009, 22:32
معالي التلميذ، والوزير
بينما أنا جالس على كرسي بلاستيكي أنجز تماريني على مائدة كذلك بلاستيكية، انتقيتهما من القمامة التي بجوارنا، تحت أضواء شارع النور لأن بيتنا كوخ صغير مرصود بالقصدير، لا يحتوي على الكهرباء ولا على الماء.. ومطالبين بالإفراغ... أثقلنا المعلم بالتمارين المنزلية كما أثقله المقرر.. وبالنسبة لي ليست منزلية، بل كوخية وشارعية...
أحتل وحدي هذا المكان! في ليل يكسوه السكون، لا تسمع سوى طقطقات الأحذية، ومناوشات من بعيد؛ وبين الفينة والأخرى يعكر صفو السكون الرومانسي هدير السيارات، وتزيده تلويثا خانقا... وكلما مر بجانبي المشاة إلا وصوّبوا نحو رأسي كُوّة مدفعيتهم، ثم يُطلقوا عليه بشارة نارية! ومن بين آلاف البشارات أبوح بثلاث منها:
- البشارة الأولى:«قم يا ولدي واذهب إلى داركم لم يبق تعليم في هذه البلاد...».
- البشارة الثانية:«قم يا ولدي وابحث لك عن صنعة، التعليم في هذه البلاد لا يساوي شيئا، ولن تصل به إلى شيء...».
- البشارة الثالثة:«قم يا ولدي دبّر كيف تهاجر سرا لتضمن مستقبلك كما هاجرت الأدمغة، والأميين.. فقط الأميون يزورون بلدهم سنويا، ويأتون بالعملة الصعبة، وأشياء أخرى... والأدمغة راحت ولم تعد...».
وأقل بشارة تسمعني قهقهات كأنها فرقعات تمخر موجاتها أثير عقلي... مع كل هذه البشارات، وحالتنا المزرية هيجت الوسواس الخناس في صدري.. من أين سأبدأ هذه التمارين، بل كيف سأبدأ، أو بالأحرى ما معنى البداية!؟ لعل هذه البشارات شبيهة ﺒﭬيروس التخدير الفكري! يلج ذاكرتي الفتية، ويتوالد بسرعة مذهلة.. سأقذف هذه الكتب، والدفاتر في مقالب القمامة التي بجوارنا، وأحتفظ بالمحفظة فارغة!... سوف أبحث عن صنعة! وأية صنعة!؟.. لا، الهجرة السرية أفضل، وهي الحل... هكذا البشارات عملت في ذاكرتي... وبين سبات ويقظة؛ وقفت بجانبي سيارة تلمع، وعيني تدمع، نزل منها رجل ذو حقيبة، وأنا أصابتني مصيبة.. وقال لي:
- معالي التلميذ، أنا الوزير! ماذا تصنع تحت هذه الأضواء الكاشفة؟
أجبته باحترام وتعجب:
- أنجز تماريني، ألا ترى!
فقال:
- معالي التلميذ، يشرفني أن ألتمس من سيادتكم الموقرة أن تفتحوا لي حوارا على مائدتكم المستديرة...
وأجبته على الفور:
- طلبك مقبول شرط أن لا تنظرني بعين الاستصغار، ولا تكلمني بلغة الاحتقار، ولا تزد وزري على ما تحمل من أوزار...
تبسم الوزير، وفرح أيما الفرح! وولد تواضعي وكلماتي في روحه معاني الحياة، واخضرّت أغصانه اليابسة، وانفتحت البراعم مبتسمة أملا أن تكبر فتصير ثمرة...
فتح الوزير حقيبته وأخرج منها كرسيّا بلاستيكيّا ووضعه بجانبي حتى لا ينظر لوجهي المظلم وقال:
- أي التمارين تنجز؟
أجبت:
- الحساب، والتاريخ، والجغرافية.
فقال لي:
- لنبدأ بالتاريخ.
قلت:
- لا، لنبدأ بالحساب.
فرن هاتفه المحمول وانشغل مع الكلام.. أما أنا فلم أستطع إنجاز الحساب لأن العملية تقول: [ اشترى أبي سيارة، ومنزلا و... ثمن الكلفة الإجمالية...]، لو اشترى أبي سيارة، ومنزلا، وكان له رصيدا في البنك ما كنت هاهنا مثقلا بتمارين لا محل لها من الإعراب، وبالهموم، وبالبشارات، وبانتظار الوزير حتى ينتهي من مكالماته.. أما التاريخ فكله أخطاء لا يمكنني أن أنجز هذه التمارين لأن النص يقول:[ بنى البحتري قصائده على بحر الرمل...]، لاشك أن هناك خطأ.. هل أراد أن يقول قصره!؟ لست أدري؛ أما تمارين الجغرافية يقول النص:[ لقد زرع أبو تمام الشعر في كل بلاد العرب...]، لا بد أن هناك أيضا خطأ؟ هل أراد بقوله: شعير؟ لست أدري!؟...
ثم غبت عن نفسي! فسبحت في البحار، وغصت في أعماق الأنهار، وكلمت روعة الطبيعة بين الأشجار والأزهار، وقرعت وترا من أوتار الحياة فردّ عليّ الصدى: إن الحياة مليئة بالأسرار...
ولما أقفل الوزير هاتفه سألته:
- لماذا أعرتني كلمة "معالي"؟ إنها كلمة من العيار الثقيل؛ وأنا جسمي نحيل، وعقلي لايزال بلا دليل...
فردّ عليّ:
- حسنا! لقد سئمت من هذه الكلمة، أسمعها في الوزارات، في البرلمان، من الصحافة، من الزوار، أقرأها في الرسالات، في الجرائد، في الصحف سئمت، سئمت منها لأنها رفعتني إلى مكان حيث تروني ولا أراكم!...
ورن هاتفه مرة أخرى إلا أنه ليس الهاتف الأول، والثاني، والثالث.. فغفوت.. ورفعني البساط إلى الأعلى، إلى حيث أرى الناس كحبات قمح، وحطّ بي في مراعي السراب، فسرت في حدائق النعمان بين السوسن والياسمين، وعساكر المروان تخبر الريحان بقدوم غلام تعبان، والراعي يستنبط من نايه نغما يجانس به خرافه، ولا يرد عليه سوى صداه، والنحل يصنع خليته السداسية، ثم يضع فيها العسل سرا...
وبعد انتهاء المكالمة، سألته:
- أيها الوزير، لماذا تركت البرلمان ونزلت إلى مائدتي!؟
أجابني:
- معالي التلميذ، إن البرلمان مقر الكلام، والكلام... ومائدتك مقر العمل، والعمل...
فرن هاتفه مرة أخرى؛ ورحت في سبات عميق راجيا أن يأتي الغمام بالغيث... وأملي أن ينساب ماءه إلى شفتيّ؟ تمنيت أن يكون الغمام مأوى لي لكي أحتمي من جذوة الأفكار؛ فتصفو سمائي، وتسكن رياحي، وتهدأ عواصفي، وتنقضي زوابعي فيكون بيني وبين الوزير حوارا ملغما تحت نبض الواقع المر.. الشرق مع الغرب التقيا.. شرود أم جدل؟
- أنزلت أيها الوزيرعلى مائدة معالي التلميذ كؤوس سحر، أم كؤوس فتنة؟ وأنت تعلم أن المائدة دون الكؤوس عارية...
طأطأ رأسه يمينا ويسارا وقال لي:
- على أي حال، ليس هذا موضوعنا؛ فلا تحرف مسار الحوار، فنبتعد...
فقلت له بلحن جميل:
- جميل منك هذا أيها الوزير؛ لنبتعد كي نقترب... والحوار حياة، والحياة كما ترى صدمات... لأعيرك كوخنا الصغير يوما واحدا، وانظر ماذا ترى غدا...
رن هاتفه المحمول.. لم تكن كلماته كالتي سمعتها من قبل! أتصنت ولم أستطع أن أميز من كلامه شيئا! ولكني اكتشفت أن للوزراء لغة، أو رطانة خاصة يفهمها جميع الوزراء في العالم دون أن يؤثر في ذلك اختلاف جنسياتهم...
فحنق الوزير هذه المرة، لم يستطع معي صبرا، صبرت سنينا ولازلت صابرا، صبروا قرونا وتركوا لنا ميراث الصبر، والوزير لم يستطع معي صبر ثواني معدودات.. صرخ في وجهي:
- الآن قرع جرس الحوار!! لنبدأ بالسؤال الأول:
* ما..........
قال ما........، وسمعت رنات تلو الأخرى، ولكنها ليست كرنات هواتفه المحمولة، لا أحدا يجيب؟ تقلبت يمينا وشمالا وإذا بي أسمع:
- مروان، مروان، بسم الله عليك يا ولدي، المنبه ينذرك وأنت لازلت نائما! لقد حان وقت الاستيقاظ والتيقظ يا ولدي، حان وقت الطهارة، وتغيير ملابس النوم، لقد حان وقت الفطور، والاستعداد للذهاب إلى المدرسة...
بقلم: محمد معمري
بينما أنا جالس على كرسي بلاستيكي أنجز تماريني على مائدة كذلك بلاستيكية، انتقيتهما من القمامة التي بجوارنا، تحت أضواء شارع النور لأن بيتنا كوخ صغير مرصود بالقصدير، لا يحتوي على الكهرباء ولا على الماء.. ومطالبين بالإفراغ... أثقلنا المعلم بالتمارين المنزلية كما أثقله المقرر.. وبالنسبة لي ليست منزلية، بل كوخية وشارعية...
أحتل وحدي هذا المكان! في ليل يكسوه السكون، لا تسمع سوى طقطقات الأحذية، ومناوشات من بعيد؛ وبين الفينة والأخرى يعكر صفو السكون الرومانسي هدير السيارات، وتزيده تلويثا خانقا... وكلما مر بجانبي المشاة إلا وصوّبوا نحو رأسي كُوّة مدفعيتهم، ثم يُطلقوا عليه بشارة نارية! ومن بين آلاف البشارات أبوح بثلاث منها:
- البشارة الأولى:«قم يا ولدي واذهب إلى داركم لم يبق تعليم في هذه البلاد...».
- البشارة الثانية:«قم يا ولدي وابحث لك عن صنعة، التعليم في هذه البلاد لا يساوي شيئا، ولن تصل به إلى شيء...».
- البشارة الثالثة:«قم يا ولدي دبّر كيف تهاجر سرا لتضمن مستقبلك كما هاجرت الأدمغة، والأميين.. فقط الأميون يزورون بلدهم سنويا، ويأتون بالعملة الصعبة، وأشياء أخرى... والأدمغة راحت ولم تعد...».
وأقل بشارة تسمعني قهقهات كأنها فرقعات تمخر موجاتها أثير عقلي... مع كل هذه البشارات، وحالتنا المزرية هيجت الوسواس الخناس في صدري.. من أين سأبدأ هذه التمارين، بل كيف سأبدأ، أو بالأحرى ما معنى البداية!؟ لعل هذه البشارات شبيهة ﺒﭬيروس التخدير الفكري! يلج ذاكرتي الفتية، ويتوالد بسرعة مذهلة.. سأقذف هذه الكتب، والدفاتر في مقالب القمامة التي بجوارنا، وأحتفظ بالمحفظة فارغة!... سوف أبحث عن صنعة! وأية صنعة!؟.. لا، الهجرة السرية أفضل، وهي الحل... هكذا البشارات عملت في ذاكرتي... وبين سبات ويقظة؛ وقفت بجانبي سيارة تلمع، وعيني تدمع، نزل منها رجل ذو حقيبة، وأنا أصابتني مصيبة.. وقال لي:
- معالي التلميذ، أنا الوزير! ماذا تصنع تحت هذه الأضواء الكاشفة؟
أجبته باحترام وتعجب:
- أنجز تماريني، ألا ترى!
فقال:
- معالي التلميذ، يشرفني أن ألتمس من سيادتكم الموقرة أن تفتحوا لي حوارا على مائدتكم المستديرة...
وأجبته على الفور:
- طلبك مقبول شرط أن لا تنظرني بعين الاستصغار، ولا تكلمني بلغة الاحتقار، ولا تزد وزري على ما تحمل من أوزار...
تبسم الوزير، وفرح أيما الفرح! وولد تواضعي وكلماتي في روحه معاني الحياة، واخضرّت أغصانه اليابسة، وانفتحت البراعم مبتسمة أملا أن تكبر فتصير ثمرة...
فتح الوزير حقيبته وأخرج منها كرسيّا بلاستيكيّا ووضعه بجانبي حتى لا ينظر لوجهي المظلم وقال:
- أي التمارين تنجز؟
أجبت:
- الحساب، والتاريخ، والجغرافية.
فقال لي:
- لنبدأ بالتاريخ.
قلت:
- لا، لنبدأ بالحساب.
فرن هاتفه المحمول وانشغل مع الكلام.. أما أنا فلم أستطع إنجاز الحساب لأن العملية تقول: [ اشترى أبي سيارة، ومنزلا و... ثمن الكلفة الإجمالية...]، لو اشترى أبي سيارة، ومنزلا، وكان له رصيدا في البنك ما كنت هاهنا مثقلا بتمارين لا محل لها من الإعراب، وبالهموم، وبالبشارات، وبانتظار الوزير حتى ينتهي من مكالماته.. أما التاريخ فكله أخطاء لا يمكنني أن أنجز هذه التمارين لأن النص يقول:[ بنى البحتري قصائده على بحر الرمل...]، لاشك أن هناك خطأ.. هل أراد أن يقول قصره!؟ لست أدري؛ أما تمارين الجغرافية يقول النص:[ لقد زرع أبو تمام الشعر في كل بلاد العرب...]، لا بد أن هناك أيضا خطأ؟ هل أراد بقوله: شعير؟ لست أدري!؟...
ثم غبت عن نفسي! فسبحت في البحار، وغصت في أعماق الأنهار، وكلمت روعة الطبيعة بين الأشجار والأزهار، وقرعت وترا من أوتار الحياة فردّ عليّ الصدى: إن الحياة مليئة بالأسرار...
ولما أقفل الوزير هاتفه سألته:
- لماذا أعرتني كلمة "معالي"؟ إنها كلمة من العيار الثقيل؛ وأنا جسمي نحيل، وعقلي لايزال بلا دليل...
فردّ عليّ:
- حسنا! لقد سئمت من هذه الكلمة، أسمعها في الوزارات، في البرلمان، من الصحافة، من الزوار، أقرأها في الرسالات، في الجرائد، في الصحف سئمت، سئمت منها لأنها رفعتني إلى مكان حيث تروني ولا أراكم!...
ورن هاتفه مرة أخرى إلا أنه ليس الهاتف الأول، والثاني، والثالث.. فغفوت.. ورفعني البساط إلى الأعلى، إلى حيث أرى الناس كحبات قمح، وحطّ بي في مراعي السراب، فسرت في حدائق النعمان بين السوسن والياسمين، وعساكر المروان تخبر الريحان بقدوم غلام تعبان، والراعي يستنبط من نايه نغما يجانس به خرافه، ولا يرد عليه سوى صداه، والنحل يصنع خليته السداسية، ثم يضع فيها العسل سرا...
وبعد انتهاء المكالمة، سألته:
- أيها الوزير، لماذا تركت البرلمان ونزلت إلى مائدتي!؟
أجابني:
- معالي التلميذ، إن البرلمان مقر الكلام، والكلام... ومائدتك مقر العمل، والعمل...
فرن هاتفه مرة أخرى؛ ورحت في سبات عميق راجيا أن يأتي الغمام بالغيث... وأملي أن ينساب ماءه إلى شفتيّ؟ تمنيت أن يكون الغمام مأوى لي لكي أحتمي من جذوة الأفكار؛ فتصفو سمائي، وتسكن رياحي، وتهدأ عواصفي، وتنقضي زوابعي فيكون بيني وبين الوزير حوارا ملغما تحت نبض الواقع المر.. الشرق مع الغرب التقيا.. شرود أم جدل؟
- أنزلت أيها الوزيرعلى مائدة معالي التلميذ كؤوس سحر، أم كؤوس فتنة؟ وأنت تعلم أن المائدة دون الكؤوس عارية...
طأطأ رأسه يمينا ويسارا وقال لي:
- على أي حال، ليس هذا موضوعنا؛ فلا تحرف مسار الحوار، فنبتعد...
فقلت له بلحن جميل:
- جميل منك هذا أيها الوزير؛ لنبتعد كي نقترب... والحوار حياة، والحياة كما ترى صدمات... لأعيرك كوخنا الصغير يوما واحدا، وانظر ماذا ترى غدا...
رن هاتفه المحمول.. لم تكن كلماته كالتي سمعتها من قبل! أتصنت ولم أستطع أن أميز من كلامه شيئا! ولكني اكتشفت أن للوزراء لغة، أو رطانة خاصة يفهمها جميع الوزراء في العالم دون أن يؤثر في ذلك اختلاف جنسياتهم...
فحنق الوزير هذه المرة، لم يستطع معي صبرا، صبرت سنينا ولازلت صابرا، صبروا قرونا وتركوا لنا ميراث الصبر، والوزير لم يستطع معي صبر ثواني معدودات.. صرخ في وجهي:
- الآن قرع جرس الحوار!! لنبدأ بالسؤال الأول:
* ما..........
قال ما........، وسمعت رنات تلو الأخرى، ولكنها ليست كرنات هواتفه المحمولة، لا أحدا يجيب؟ تقلبت يمينا وشمالا وإذا بي أسمع:
- مروان، مروان، بسم الله عليك يا ولدي، المنبه ينذرك وأنت لازلت نائما! لقد حان وقت الاستيقاظ والتيقظ يا ولدي، حان وقت الطهارة، وتغيير ملابس النوم، لقد حان وقت الفطور، والاستعداد للذهاب إلى المدرسة...
بقلم: محمد معمري