تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : هواجس فتاة آيلـة للعنوسة


سميح
04-04-2009, 01:24
كانت كل ليلة تجلس بالشرفة في منأى عن الناس ... رفيقها في السمر سحاباتُ الخيال التي تهيم بها , هنا وهناك , دون اعتراض حيث تهوى نفسها ... في كل ليلة كانت تزف نفسها لعريس جديد ... كانت أكثر نساء العالم زيجات ... و عشرات الصبية يحيطون بها من كل الجوانب ... ماما .. ماما.. تهش هنا وهناك وهم , في عناد , يتصايحون ... يتجاذبون أطراف فساتينها ... لا يخلصها منهم سوى سعال والدها القابع بالركن لا يُرى منه غير عباءة سوداء, تتهادى في تناغم مع كل شهيق و زفير ... سعال سمج , كقبضة مخبر تسحبها بين الفينة والأخرى من عالم أحلامها المعسول ... كان أشد ما تكره , عالمُ الواقع , حيث كل فتيات القرية ربات بيوت ... تنثرن على كل الأزقة عفاريت صغارا تتوزع عاطفتها بينهم بين الحب و الكراهية...
كعادتها , هذه الليلة جلست بنفس المكان ... نفس الزمان ... تراود عرسان مخيلتها الألف ... تتطلع من فوق بآمالها و لهفتها على رؤوس المارة ... لم تعد تميز بين الكبير و الصغير ... صارت كل الأعمار الآن مقاساتها المناسبة ... تراوح نظراتها بين الوجوه , تحاول إيجاد ضالتها بينهم ... لكن لا أحد يرنو إليها , يتوقف أو يفطن لوجودها ...كانت أسوأ لحظاتها , أيامُ رأس السنة , كلُّ الناس فرحى بحلولها ,إلا هي... كانت بالكاد تسلم ورقة العام المنصرم ممزقة من الحنين ... توقفَتْ منذ أمد بعيد عن عد سنوات عمرها ... توقفت بالتمام حين بلغت الثلاثين , وبعدها لم يعد لمدلول السنوات أرقام ولا مسميات ...
تُرى هل يطرق الباب الآن ؟؟؟ من اختزنت له عشرات السنين من الحب , والحنان , وأشياء أخرى ما زالت على عهدها القديم ... ترى هل يطرق ؟؟؟ ... ترى ...ترى ... وبين سيل التساؤلات , اخترق صوتُ الباب السكون ( ؟؟؟ !!! ) ...اختلط في البدء الأمرُ عليها...هل كانت طرقات الواقع , أم كمثيلاتها من عالم الخيال؟؟ ... يخترق الصوتُ من جديد سكون المكان ... ينتزعها من خلوتها ... و في خفة المهر الطليق قفزت, وهي تردد: ـ طرق , طرق , و أخيرا طرق ... هرعت إلى الباب بكل كيانها , وخيالاتها , ولحمها وشحمها و فومها وعدسها... وجدته , عينا لِعَين , قلبا لقلب... وجدَته كما رسمَته خيالاتُها التي حوَت كل النسخ ...تسمرَت للحظة , قبل أن ترتمي عليه بالعناق ... اتسعت حدقتا عينيها ...و كادت نظرات اللهفة تلتهم محياه في شره ... !!!!... توقف عداد الزمن لحظة , وسكن الكون ...( هدوء من فضلكم )... ودون سابق إنذار , جذبته ... سحبته ... وتوارت به بعيدا عن والديها والأنظار ... خرس الكل وشدُه في ذهول من سرعة تـوالي الأحداث ... و شيعوها بنظرات الشفقة والألم ... وهناك ... على الطرف الآخر , حيث كانت الخلوة , شرعت طقوس السؤال ... ـ من أين البدء ؟؟؟, من أين البدء و انفعالات عشرات السنين تتكدس في فوضي على مخارج الحروف ...أتخبره عن الزمن الذي عدّى أمام ناظريها قطيعَ أغنام تَعدّ سنواتِه في ملل الواحدةَ تلو الأخرى؟؟؟ أم تخبره عن أشكال الأشياء التي أينعت في الخفاء واختزنتها له منذ عقود.. أم تخبره عن شكل نهديها قبل أن يطالهما الخريف ويحولهما خرقا بالية تعافها العيون ...علِقت بعينيها دمعة حزينة حين تذكرت شكلهما ...كانتا تفاحتين ناضجتين من تفاح الروم ... وفي انتكاسة الكسير المكلوم , طأطأت رأسها في حسرة تخنقها العبرات , وحارت بين ركام متلاشياتها... أتحدثه عن ردفيها لما كانتا هضبتين تنام على نعومتهما الأحلام و الطيور ؟؟ ... أم تحدثه عن انسياب صفحات جسدها العاجي من غير نتوءات ... أم , أم , أم ... خنقتها من جديد غصة دمعها الذي جاهدت بيأس في طمسه وأسره بداخلها , حتى لا يفسد عليها اللحظة التي عاشت الدهر كله تنتظرها ... وبكل العناء و المكابرة , أخبرته أنها ظلت تنتظره مذ زمن بعيد ... وأنه كان دوما المنتظَر , سيدَ عالمها من غير عبارات الاستئذان , ومقدمات الخطبة , والمأذون, والخميس, و ..و ..و .. ودون كلمة , اختزلت كل الأشياء في النظر إلى عينيه... تساءلَت في صمت , ـ تُرى لِمَ تأخرت ؟؟؟ لِم ترددتَ كل هذه السنوات ؟؟؟ ... كادت من لهفة نظراتها وبريق عينيه , تأخذه إلى (.....) لولا صوت أخيها يقتحم الباب , بجانبه زوجتُه وفتاة أخرى في ربيع عمرها لا تعرفها ... وفي سرعة المتلبس أفلتت الفتى من بين ذراعيها , وتركت أخاها القادم من الخليج يتلقف جسدها , يعانقها , فقدّم الضيفين على أنهما صديقه وزوجته ... صرخت في شدوه بكل علامات الاستفهام : ـ زوجته ؟!؟!؟! ... تجمدت في مكانها كالحاضر الغائب ... مكثت لحظة ثم هرولت إلى غرفتها, لا تكترت لمَن فطن لصرختها التي ارتجّ لها صدرها و تدغدغت لها نهداها في نشوة لم تعبأ بها ... كانت صرخة مكتومة لَاسَ صداها الجسد المرتعش ... تركت الجميع مغاضِبةً كصبي صودرت لعبه ...و ارتمت على السرير... على بطنها ... طمرت وجهها للحظات بين ذراعيها تندب حظها الذي يتعثر دوما في المسير... و بين النحيب الخافت , واهتزازات الصدر الموجوع , استطاعت أن تجد لنفسها هنيهة تنظر فيها إلى المرآة من جديد ... تتفقد ما بقى من الجمال والمخزون ...ما زالت ترى في نفسها فتاة قبل العنوس ... نظرت إلى قسماتها , وانحنت على كسوتها تجفف بباطنها دمعتين متخلفتين ... نثرت من الأنف ما يعيق أنفاسها , ومططت بشرتها لتبدد التجاعيد ... عدّت خصلاتها السوداء المتبقية التي شرع يتسوّرها المشيب ... و تفقدت براحتيها أشياء أخرى تختزنها ليوم المجيء ... مرّرت من جديد كمّها أسفل أنفها لتُنهي النشيج ... شفطت الهواء في محاولة أخيرة لوقف ما تأخر من تنهدات , و ثبتت بلعابها خصلة شعر منتقاة بعناية , خالية من الشيب ... تركتها تتدلى على الجبين لتكون الواجهة ... مصمصت شفتيها وأعادت لهما شيئا من الحمرة و البريق , ثم لسعت خذيها , وخرجت إلى الشرفة من جديد...

نورالدين شكردة
04-04-2009, 10:31
أخي سميح ...توفقت في سرد الحكاية على لسان الأنثى بشكل مدهش وبراعة مثيرة لتساؤلات عدة ...ولعلك جعلتني أهدم فكرة التمييز بين الأدب الرجالي والأدب النسائي خاصة وأن قارئ أو قارئة القصة سيعتقدان أن كاتبها /كاتبتها/له دراية كبيرة بأسرار وتضاريس المرأة ... مرة أخرى لم أحبذ تركيزك على حيثيات لم تكن هي القصد من رقن قصتك *هواجس فتاة آيلـة للعنوسة *والتي لا يجادل أحد في قوة لغتها ومتانة أسلوبها ولعلك كنت تقصد الأمر لشد القارئ وتقوية بهارات وتوابل الإثارة والتحفيز...أتمنى أن تتقبل وجهة نظري بصدر رحب وأخبرك من هنا أنني تذمرت كثيرا من نهاية ردك على الاخ زايد تيجاني في قصتك السابقة *مومس متلهفة*واستغربت لسعة خاطره ورده اللبق على تشنجك ودفاعك عن رأيك بلغة قاسية ..تعلم أنه كان بإمكانه حذف المقطع الذي يتحدث عن التفاهة و.و.و.غير أنه كان أكثر حكمة وسعة خاطر منك ...سأكون ممتنا لك وشاكرا لو عدت لردك وحذفت منه مقطعه اللاذع ذاك لأن اعتذارك ل يكن كافيا ويستدعي في نظري حذف المقطع إياه.. وفي انتظار تجاوبك أحييك وألتمس منك أن تتحفنا بقصة تتحدث عن الرجل حتى يتسنى لنا المقارنة والتقييم...حياك الله

أم ايمان
04-04-2009, 11:41
السلام عليكم
اتفق مع كل كلمة رقنها الاخ نور الدين شكردة و خاصة ما تناول موضوع الاخ التيجاني المتميز بطول حلمه و صبره و حنكته في مواجهة هجومات غريبة من نوعها
و اخيرا اتساءل هل سميح هو اسم اخر لعضو مالوف في المنتدى ......الله اعلم

abounouha
04-04-2009, 11:57
c'est une merveille de ta part .on est attaché dés le debut jusqu' à la fin. merci.

سميح
04-04-2009, 12:17
أخي سميح ...توفقت في سرد الحكاية على لسان الأنثى بشكل مدهش وبراعة مثيرة لتساؤلات عدة ...ولعلك جعلتني أهدم فكرة التمييز بين الأدب الرجالي والأدب النسائي خاصة وأن قارئ أو قارئة القصة سيعتقدان أن كاتبها /كاتبتها/له دراية كبيرة بأسرار وتضاريس المرأة ... مرة أخرى لم أحبذ تركيزك على حيثيات لم تكن هي القصد من رقن قصتك *هواجس فتاة آيلـة للعنوسة *والتي لا يجادل أحد في قوة لغتها ومتانة أسلوبها ولعلك كنت تقصد الأمر لشد القارئ وتقوية بهارات وتوابل الإثارة والتحفيز...أتمنى أن تتقبل وجهة نظري بصدر رحب وأخبرك من هنا أنني تذمرت كثيرا من نهاية ردك على الاخ زايد تيجاني في قصتك السابقة *مومس متلهفة*واستغربت لسعة خاطره ورده اللبق على تشنجك ودفاعك عن رأيك بلغة قاسية ..تعلم أنه كان بإمكانه حذف المقطع الذي يتحدث عن التفاهة و.و.و.غير أنه كان أكثر حكمة وسعة خاطر منك ...سأكون ممتنا لك وشاكرا لو عدت لردك وحذفت منه مقطعه اللاذع ذاك لأن اعتذارك ل يكن كافيا ويستدعي في نظري حذف المقطع إياه.. وفي انتظار تجاوبك أحييك وألتمس منك أن تتحفنا بقصة تتحدث عن الرجل حتى يتسنى لنا المقارنة والتقييم...حياك الله

حاضر يا نور المنتدى, و أمرا وطاعة ... لقد تم سحب الرد بأكمله ...
للذكر ... حاولت البارحة مسح الرد , لكن الرسالة الإدارية التي حددثك عنها حالت دون ذلك ...
أشكر مرورك

سميح
04-04-2009, 12:22
السلام عليكم
اتفق مع كل كلمة رقنها الاخ نور الدين شكردة و خاصة ما تناول موضوع الاخ التيجاني المتميز بطول حلمه و صبره و حنكته في مواجهة هجومات غريبة من نوعها
و اخيرا اتساءل هل سميح هو اسم اخر لعضو مالوف في المنتدى ......الله اعلم

وعليك السلام أم أيمان ... جلّ من لا يخطئ
و اخيرا اتساءل هل سميح هو اسم اخر لعضو مالوف في المنتدى ......
may be yes may be no

سميح
04-04-2009, 12:26
c'est une merveille de ta part .on est attaché dés le debut jusqu' à la fin. merci.

أنت الرائع يا abounouha بردودك المشجعة

نورالدين شكردة
04-04-2009, 14:50
حاضر يا نور المنتدى, و أمرا وطاعة ... لقد تم سحب الرد بأكمله ...
للذكر ... حاولت البارحة مسح الرد , لكن الرسالة الإدارية التي حددثك عنها حالت دون ذلك ...
أشكر مرورك
أخي سميح في تدخلي لم أأمرك بشيء فقط التمست منك أن تحذف المقطع وما كان عليك ان تحذف كل الرد ...عموما أفحمتني وأخجلتني وجعلتني أندم على قسوة ردي وإن كانت قسوتك على زايد أشد وطيبوبته أطيب من كل الطيب ...شكرا وابتعد -أرجوك-عن التضاريس أبعد الله عنك المحن والفتن والمشاكل والزوابع...d7kd7k

tijani
08-04-2009, 06:13
قصة جيدة وحبكة في المستوى وخاتمة صادمة لكل من الحالمة والقارئ. لغة محكمة وحوار مونولوكي ممتاز. ملاحظتي الوحيدة - ان صحت - هي ان نقول ينثرن مادام الحديث عنهن اي في الغائب.أما تنثرن فيوحي لنا ان الكاتب يخاطبهن:
حيث كل فتيات القرية ربات بيوت ... تنثرن على كل الأزقة .
بالتوفيق
تحياتي

soulama
08-04-2009, 09:03
السلام عليكم........
أخي "سميح"..قصة تحمل من الروعة والمأساة الكثير....ونهاية تبقى معلقة ....ينصفها الوقت ...من يدري ؟؟ لكنهاهاجس ...من هواجس النسوة العوانس....طرح ينم عن قاص متمرس....
مزيدا من التألق....أتمنى أن أقرأ لك المزيد....
تقبل مروري المتواضع.....تحياتي...وفائق سلامي...
أختك ســــــــــــلامة....

غزال كلميم
08-04-2009, 09:42
اذهلتني القصة ..واعجبتني طريقة كتابتك.. وطريقة اختيارك للكلمات المناسبة ..
لو اكتب ردا لقصتك الى الصباح لا اظن انه سيوفيها حقها
اتمنى لك التالْق واتمنى ان اقراْ لك المزيد
..مودتي وتقديري ..
غزال كلميم

النورس التربوي
08-04-2009, 10:51
قصة رائعة و قدرة واضحة على الوصف و الحكي...
ملاحظة وحيدة حول عنوان النص....كلمة عنوسة ذات مدلول قدحي و لا تليق بكائن بشري نعتز بكرامته و عزته ...و قصتك لا تخرج عن هذا الاطار لذا حبذا لو تم تجاوز المصطلح القدحي الى مصطلح اخر

chamss
08-04-2009, 17:09
اخي سميح

استمتعت بهده السطور كثيرا


نورت الدفتر


بالتوفيق

سميح
08-04-2009, 17:32
قصة جيدة وحبكة في المستوى وخاتمة صادمة لكل من الحالمة والقارئ. لغة محكمة وحوار مونولوكي ممتاز. ملاحظتي الوحيدة - ان صحت - هي ان نقول ينثرن مادام الحديث عنهن اي في الغائب.أما تنثرن فيوحي لنا ان الكاتب يخاطبهن:
حيث كل فتيات القرية ربات بيوت ... تنثرن على كل الأزقة .
بالتوفيق
تحياتي

شرفني مرورك أخي التيجاني ... وأتمنى أن يصفو بالك مني ...
وآسف على تأخر الردود لأن الصفحة التي تفتح عندي غالبا ما تكون قديمة أي تقتصر على المداخلات الأولى فقط ...
تحياتي

سميح
08-04-2009, 17:34
اخي سميح

استمتعت بهده السطور كثيرا


نورت الدفتر


بالتوفيق


الدفتر منوّر بشمسه يا شمس ...
أشكر لطفك

سميح
08-04-2009, 17:39
قصة رائعة و قدرة واضحة على الوصف و الحكي...
ملاحظة وحيدة حول عنوان النص....كلمة عنوسة ذات مدلول قدحي و لا تليق بكائن بشري نعتز بكرامته و عزته ...و قصتك لا تخرج عن هذا الاطار لذا حبذا لو تم تجاوز المصطلح القدحي الى مصطلح اخر


أشكرك أخي معلم الحقول ... إلا أني صدقا لاأرمي لإهانة الكائن البشري ... ولا أرى في المصطلح قدحا بقدر ما هو وصف لمرحلة عمرية ...وإن عرفتَ له مدلولا لغويا غير الذي عنيتُ ... فكلي آذان لتعلّمه ...
تحياتي

سميح
08-04-2009, 17:42
اذهلتني القصة ..واعجبتني طريقة كتابتك.. وطريقة اختيارك للكلمات المناسبة ..

لو اكتب ردا لقصتك الى الصباح لا اظن انه سيوفيها حقها
اتمنى لك التالْق واتمنى ان اقراْ لك المزيد
..مودتي وتقديري ..
غزال كلميم



يكفي من ردك كلماتك الجميلة ... وإن زدتِ أخذني الغرور ..
أشكرك أختي

سميح
08-04-2009, 17:45
السلام عليكم........
أخي "سميح"..قصة تحمل من الروعة والمأساة الكثير....ونهاية تبقى معلقة ....ينصفها الوقت ...من يدري ؟؟ لكنهاهاجس ...من هواجس النسوة العوانس....طرح ينم عن قاص متمرس....
مزيدا من التألق....أتمنى أن أقرأ لك المزيد....
تقبل مروري المتواضع.....تحياتي...وفائق سلامي...
أختك ســــــــــــلامة....

شكرا لكلماتك الرقيقة ... وأشكر اطلاعك على كتاباتي

نورالدين شكردة
10-05-2009, 08:46
.......................................