قال ابْن إِبْرَاهِيمَ، : «لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُزْلَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّكَ لَا تَجِدُ أَعْوَانًا عَلَى الْغِيبَةِ لَكَفَى»
===============
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ :
صَدَقَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ جَالَسَ النَّاسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَعَاشَرَهُمْ إِلَّا قَلَّتْ سَلَامَتُهُ مِنَ الْغِيبَةِ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمُ الْيَوْمَ أَنْ يَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَأَنْ يُشْبِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَنْ يَتَمَضْمَضُوا بِذِكْرِ الْأَعْرَاضِ وَيَتَفَكَّهُوا بِهَا وَيَتَنَقَّلُوا بِحَلَاوَتِهَا فَإِمَّا أَنْ يُسَاعِدَهُمْ جَلِيسُهُمْ عَلَى إِثْمٍ وَتَرْكِ مُرُوءَةٍ وَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَهُمْ عَنْ قِلًى وَشَنَآنَ
فَمُجَالَسَتُهُمْ دَاءٌ يُعْدِي يَضُرُّ وَلَا يُجْدِي.
قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُزْلَةِ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ آفَةِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ لِلنَّاسِ وَمَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُدَاهَنَةِ مَعَهُمْ وَخِدَاعِ الْمُوَارَبَةِ فِي رِضَاهُمْ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا يُرَغِّبُ فِي الْعُزْلَةِ وَيُحَرِّكُ إِلَيْهَا
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ»
فَمَنْ أَحَبَّ السَّلَامَةَ مِنْ هَذِهِ الْخَلَّةِ فَلْيُقِلَّ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَلَيَتَحَذَّرْ مُدَاخَلَتَهُمْ وَالتَّوَسُّطَ فِي أُمُورِهِمْ فَإِنَّهُ إِذَا مُنِيَ بِذَلِكَ وَابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَسْلَمْ أَنْ يَلْقَى هَذَا بِوَجْهٍ وَصَاحِبَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَلَئِنْ خَالَفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ أَوْشَكَ أَنْ يَشْنَأَهُ النَّاسُ وَيَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلِيْمَانَ وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلَامَةِ مِنَ الْمَأْثَمِ فِي الْمُنْكَرِ يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فَلَا يُغَيِّرُهُ وَالْأَمانُ مِنْ غَوَائِلِ أَهْلِهِ وَمِنْ عَادِيَتِهِمْ إِذَا غَيَّرَهُ فَقَدْ أَبَى أَكْثَرُ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ قَبُولَ النَّصَائِحَ وَنَصَبُوا الْعَدَاوَةَ لِمَنْ دَعَاهُمْ إِلَى هُدًى أَوْ نَهَاهُمْ عَنْ رَدًى.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَحْدَةِ وَالتَّبَاعُدِ مِنْهُمْ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ إِثْمِ الْمُدَاهَنَةِ وَخَطَرِ الْمُكَافَحَةِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ الرِّبْحُ الرَّابِحُ وَالْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ
العزلة/أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388هـ)