قال القرطبي / المفهم:
قوله : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"
إنما كانت الدنيا كذلك لأن لمؤمن فيها مقيد بقيود التكاليف ، فلا يقدر على حركة ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع ، فيفك قيده ، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا والمحن والمكابدات من الهموم ، والغموم ، والأسقام ، والآلام ، ومكابدة الأنداد ، والأضداد ، والعيال ، والأولاد .
وعلى الجملة : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأي سجن أعظم من هذا؟
ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف والوجل ، إذ لا يدري بماذا يختم له من عمل .
كيف وهو يتوقع أمرا لا شيء أعظم منه ، ويخاف هلاكا لا هلاك فوقه فلولا انه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك مكانه لكنه لطف به ، فهون عليه ذلك كله بما وعد على صبره ، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره .
والكافر منفك عن تلك الحالات بالتكاليف ، آمن من تلك المخاويف ، مقبل على لذاته ، منهمك في شهواته ، معتز بمساعدة الأيام ، يأكل وبتمتع كما تأكل الأنعام
وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام ، ويحصل في السجن الذي لا يرام ، فنسال الله السلامة من أهوال يوم القيامة .