منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - الإعجاز التّأثيريّ للقرآن الكريم
عرض مشاركة واحدة

أبو عبدالرحمن 79
:: دفاتري ذهبي ::

الصورة الرمزية أبو عبدالرحمن 79

تاريخ التسجيل: 2 - 9 - 2008
السكن: المغرب
المشاركات: 1,311

أبو عبدالرحمن 79 غير متواجد حالياً

نشاط [ أبو عبدالرحمن 79 ]
معدل تقييم المستوى: 349
افتراضي
قديم 23-11-2008, 13:18 المشاركة 2   

المعجزة في القرآن الكريم:

ورد في القرآن الكريم استعمال مشتقات كلمة ( عجز ) نحو ست وعشرين مرة لكنه لم يرد استعمال مصطلح معجزة ولا ( إعجاز ) في القرآن الكريم ولا في السنة ولم يكن معروفاً هذا الاصطلاح في عهد النبوة والصحابة والتابعين إنما عُرف في أواخر القرن الثاني تقريباً[12].

وأطلق القرآن الكريم على المعجزة عدّة مسمّيات منها:

1-الآية: قال الله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنّن بها قل إنّما الآيات من عند الله وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون }[13]

2-البيّنة: قال موسى عليه السلام لفرعون { قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل }[14]

3-البرهان: قال الله تعالى: { يا أيّها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً }[15]

4-السلطان: قال الله تعالى: { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله }[16] وقال أيضاً:{ ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه }[17] [18].

أما التأثيري:

فهو مركّب إسنادي من أثر الشيء: أي حصول ما يدلّ على وجوده، يقال: أثر الشيء وأثر، والجميع آثار، يقول الله تعالى: { ثم قضينا على آثارهم برسلنا}[19]، ويقول { وآثاراً في الأرض }[20] ويقول { فانظروا إلى آثار رحمة الله }[21]. ومن هذا يقال للطريق المستدل من تقدّم آثار { فهم على آثارهم يهرعون }[22] ويقول { هم أولاء على أثري }[23].

وأثرت البعير: جعلت على خفّه أثره، أي علامة تؤثّر في الأرض ليستدلّ بها على أثره، وأثرت العلم: رويته، أثراً، وإثاره، وأثره، وأصله: تتبعت أثره.[24]

والخلاصة: فالتأثيري في اللغة مأخوذ من الأثر والنتيجة، والمحصلة الدالّة على وجود مؤثّر سواء أكان المؤثر حيّاً كما في قولهم ( أثرت البعير ) أم معنويّاً كما في قول الله تعالى: { فانظروا إلى آثار رحمة الله }. والآثار هي اللوازم المعلّقة بالشيء [25]، أو جملة الأمور التي تنتج عن الشيء المسبب لها.

اصطلاحاً: الإعجاز التأثيري للقرآن: هو ( وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم أشار إليه السابقون، ويتمثّل فيما يتركه القرآن الكريم من أثر ظاهر أو باطن على سامعه أو قارئه ولا يستطيع هذا السامع أو القارئ مقاومته ودفعه ولا يقتصر ذلك على المؤمنين به).[26]

أو هو تأثير القرآن الكريم في النفس الإنسانية عندما تسمعه، وتفاعلها معه حتى لو كانت نفساً كافرة.[27]

المبحث الثاني

نشأة الإعجاز التأثيري وتطوّره:

تستطيع أن تميّز هنا بين مرحلتين من مراحل نشأة الإعجاز التأثيري وتطوّره.

المرحلة الأولى: مرحلة النشأة:

تتمثل نشأة هذا الوجه الإعجازي للقرآن الكريم بنزول القرآن نفسه اتصالاً مباشراً وذلك لما يلي:

أولاً: أمر الله تعالى في كتابه الحرص على إسماع المشركين القرآن الكريم ليكون ذلك عوناً على دعوتهم للإسلام. قال ابن حجر ( ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله تعالى معجز لم يقدر أحد على معارضته بعد تحدّيهم بذلك، قال الله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه }[28] فلولا أن سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجّة إلّا وهو معجز.[29] والمعجزة لابد لها من أثر في من تعجزه إما تصديقاً أو تكذيباً.

ثانياً: ما ورد في كتب السيرة والتفسير وأغلب الكتب التي تتناول قضية الإعجاز عن لجوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعجاز القرآن التأثيري كوسيلة أساسية من أسس الدعوة للإسلام وظهور أثر هذه الوسيلة الفعّال في كل من استعملت معه.

إما قبولاً واعتناقاً للإسلام أو نفوراً وإعراضاً عنه أو إقراراً لإعجاز القرآن في حاله.

ثالثاً: إن الإعجاز التأثيري في هذه المرحلة وهي مرحلة النشأة الأولى يتمثّل في الممارسة والسّلوك العمليّ للإعجاز نفسه دون التّأليف فيه أو وضع قواعد أو أصول له، وإنما تدلّ الشواهد الكثيرة على ممارسته في حياة المسلمين. وبعد قرنين من الزمان وفي أوائل القرن الثالث الهجري أشار الجاحظ من خلال حديثه عن الإعجاز البلاغي للقرآن إشارات خاطفة للإعجاز التأثيري [30] وكذلك فعل الرماني في منتصف القرن الرابع.

المرحلة الثانية: مرحلة التأهيل العلمي للإعجاز التأثيري:

كثير من علماء التفسير والقرآن والبلاغة في القديم والحديث لاحظوا تأثير القرآن الكريم في القلوب وأثره في النفوس فاعتبروا ذلك التأثير من وجوه إعجاز القرآن وعبّروا عنه بعبارات متفاوتة وسأقف مع عدد من العلماء في القديم والحديث ممّن تحدّثوا عن الإعجاز التأثيريّ.

الخطابي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي – ت 388هـ.

وكان أوّل من اعتبر هذا التأثير القرآني وجهاً خاصّاً من وجوه الإعجاز هو الإمام الخطّابي فقد نص عليه نصّاً في رسالة ( بيان إعجاز القرآن ) فقال ( قلت في إعجاز القرآن وجهاً آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذّ من آحادهم وذلك حيفة بالقلوب، وتأثيره في النّفوس فإنّك لا تسمع كلاماً غير القرآن، منظوراً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللّذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى، ما يخلص منه إليه تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور حتى إذا أخذت حظّها منه عادت إليه مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق تغشّاها الخوف والفرق، تقشعرّ منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.

فكم من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم من رجال العرب، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأوّل وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيماناً [31]

ابن قيّم الجوزيّة ت 75 ورأيه في الإعجاز التأثيري:

يبيّن ابن قيّم الجوزيّة ما يقع في النفوس عند تلاوته وسماعه من الورعة ما يملأ القلوب هيبة والنفوس خشية، وتستلذ الأسماع وتميل إليه بالحنين الطباع، سواءً أكانت فاهمة لمعانيه أم غير فاهمة، وسواءً أكانت كافرة بما جاء به أم مؤمنة.

يقول في كتابه ( الفوائد )[32] ( إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله قال الله تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد })[33]

وذلك أن تمام التأثير لما كان له موقوفاً على مؤثر مقتفى ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّة على المراد بقوله { إن في ذلك لذكرى } إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى هاهنا وهذا هو المؤثّر، وقوله { من كان له قلب } فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيّاً }[34] أي حيّ القلب وقوله تعالى { أو ألقى السمع وهو شهيد } أي وجه سمعه وأصفى حاسّة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التّأثير بالكلام وقوله ( وهو شهيد ) أي شاهد القلب حاضراً غير غائب، أي استمع إلى كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، وليس بغافلٍ ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التّأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقّل عن ما يقال له والنظر في تأمّله.

فإذا حصل المؤثّر وهو القرآن، والمحلّ المقابل وهو القلب الحيّ ووجد الشرط وهو الإصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاء بالذكر.

ثم يقول: فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتمّ بمجموع هذه الأشياء مما وجه دخول أداة أو في قوله { أو ألقى السمع } والموضوع موضوع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين ؟ قيل: هذا سؤال جيد، والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام باعتبار حال المخاطب المدعو فإنه من الناس من يكون حيّ القلب واعيه تامّ الفطرة فإذا فكر بقلبه وحال بفكره دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن، وأنه من الحقّ، وشهد قلبه بما أخبر القرآن.

فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحقّ}[35].

من خلال هذا نرى رؤية ابن القيّم في مسألة التأثير، وكيفيّة حدوثها، وبيان أركانها وجوانبها، فإنه يرى أنها تقوم على أركان عدّة:

1- المؤثر القويّ ( والمقصود به القرآن الكريم )

2- أداتا التلقّي ( القلب والسمع )

3- رغبة السامع في تفهّم ما يسمع وتعقّله.

4- الخروج من شتّى الموانع، سواء أكانت انحرافات عقائدية، أم شبهات فكريّة، أم نزعات شهوانيّة، أم مكانة أدبيّة، أم منزلة اجتماعيّة، أم غير ذلك.

ومن الملاحظ أن ابن القيّم رحمه الله يتحدّث هنا عن دعوة المسلم للانتفاع بالقرآن الكريم، ولا ينصّ على ذكر الكافر وذلك فإنّه لا يكشف عن الجانب الأهمّ في إعجاز القرآن التّأثيريّ ألا وهو: أثره على الكافر.

بعد هذا العرض لرأي بعض الأقدمين عن الإعجاز التأثيريّ أعرض رأي بعض العلماء المحدثين حول هذا الوجه من وجوه الإعجاز لتظهر لنا مراحل تطوّره.

الدكتور عبد الكريم الخطيب ورأيه في الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم:

تحدّث الدكتور عبد الكريم الخطيب عن إعجاز القرآن الكريم – بصفة عامّة – حديثاً طويلاً، متناولاً إيّاه من خلال آراء علماء البلاغة – الذين تناولوا وجوهه المتعدّدة، ووقف أمام وجه الإعجاز التأثيري للقرآن وقفات دقيقة، فنراه يحاول أن يكشف عن سرّ تأثير القرآن فيمن سمعه من المؤمنين والكافرين على حدّ سواء:

(( إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم / عالم الروح والحق والنور / عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة، روحاً من روحها، وجلالاً من جلالها ونوراً من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى في أفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئاً من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدّوا أيديهم قطفوا من أدبه أدباً عالياً ومن علمه علماً نافعاً، ومن شريعته ديناً قيّماً، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظام، فما يصل إليه من كيدهم شيء ))[36].

إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب أن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على من يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن الكريم قد رحلت إلى الملأ الأعلى حيناً من الزمن، أعطاها هذا الرحيل سرّاً يخطف الأبصار، ويخلب الألباب، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره.

ويقول الدكتور الخطيب معلّقاً على كلام الإمام الخطّابي عن الإعجاز التأثيري للقرآن: ( وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو – فيما نرى – المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيّهم وأعجميّهم، إنسهم وجنّهم ) { قل أوحي إليّ أنّه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً }[37] [38]

ويعقّب الدكتور الخطيب تعقيباً على كلام ابن عطيّة عن وجوه الإعجاز فيقول: ( وهذا هو سر الإعجاز وعظمته كلمات هن من كلام الناس ثم يفعلن هذا الأمر العجيب في النفوس، ويضمن هذا السلطان القاهر على القلوب )[39]

من خلال ما تقدّم نرى أن حديث الدكتور الخطيب عن الإعجاز يرتكز بصورة أساسيّة على ما يحدثه القرآن من أثر في النفوس كما رأينا ذلك واضحاً في مقارنة بين أثر كلام البشر وكلمات القرآن على النفوس البشريّة المؤمنة بالقرآن والمنكرة له على السواء.

إن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة ومواقف الصحابة بل وما في واقع الحياة البشريّة في عصرنا الحالي وكلّ ما ذكره الدكتور تثبت وترصد مظاهر هذا الوجه من وجوه الإعجاز في حياة البشر وتؤكد اختياره له[40].

إن الدكتور الخطيب ذهب إلى أكثر من الاختيار لوجه الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما أخذ يبيّن مزايا هذا الوجه دون سواه فهذا الوجه يمتاز عن سائر وجوه الإعجاز بأنّه:

1- المعجزة القائمة في كل حين.

2- أنها تسع الناس جميعاً عالمهم وجاهلهم.

3- أنها تسع لكل لغاتهم عربيهم وعجميهم.

4- أنها لا تقتصر على الإنس وحدهم بل وتسع الجن أيضاً.

4. الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ورأيه في الإعجاز التأثيري:

لقد أفرد الشيخ محمد الغزالي في كتابه ( نظرات في القرآن ) فصلاً كاملاً عن الإعجاز في القرآن الكريم، ويرى فيه أن إعجاز القرآن يبرز في وجوه ثلاثة ( الإعجاز النفسي، الإعجاز العلمي، الإعجاز البياني ) ومن خلال حديثه عن الإعجاز النفسي التأثيري نراه يتمثّل في نقاط أربع:

1- مكانة الإعجاز التأثيري

2- تأثير القرآن في المؤمن والكافر

3- من وسائل تأثير القرآن: تقديم الدليل المفحم على كل شبهة، تعريف الأمثال.

4- مواضع التأثّر بالقرآن.

وحديث الشيخ عن الإعجاز النفسي والتأثيري جاء مرسلاً دالّاً على سجيّة مؤلفه ويحمل في طواياه هذه النقاط الأربع السابقة، ونتلمس النقطة الأولى من حديث الشيخ عن الإعجاز النفسي فبعد أن يتحدّث عمّا يعرض له القرآن من عقائد دينيّة وأحكام تشريعية وحقائق علمية يقول: ( قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزّع تحت عناوين شتّى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلميّة في مفهومها، ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر ونقاط مؤلفه آخر ما تختلفه اللجاجة من شبهات......، ثم الكرّ عليها بالحجج الدامغة حتى تبقى النفس وليس أمامها مفرّ من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله وعندي أن قدراً من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا )[41]

تلك هي مكانة الإعجاز التأثيري عند الشيخ فإن كان للقرآن الكريم وجوه إعجاز أخرى غير أنها لا تصل في قدرها وأهميّتها إلى الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في نفس الإنسان ولكن هل يتأثّر كل إنسان بالقرآن ؟ أم يقتصر هذا التأثير على المؤمنين به ؟ ويرد أمامنا على هذا التساؤل بما يؤكد مكانة الإعجاز التأثيري بين وجوه الإعجاز، وعدم اقتصاره على نفس إنسانية دون أخرى فيقول:

( فما أظن امرءاً سليم الفكر والضمير يتلو القرآن ويستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به، قد تقول: ولم يتأثر به ؟ والجواب: أنه ما من هاجس يعرض للنفس الإنسانية من ناحية الحقائق الدينية إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه، ما أكثر ما يعزّ المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم، ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.

إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يردّ الصواب إلى أولئك جميعاً وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق وزلّة كل ذي زلل ثم تكفّل بإزاحتها كلّها، كما يعرف الراعي آية تاهت خرافه، فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحدة منهم.

وذلك سر التعميم في قوله تعالى { ولقد صرفنا في هذا القرآن من كلّ مثل }[42] حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله أنهم يقضون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه ولكنّه يؤخذ فترة ما يصدّ من العاطفة الباكية أو مثلما يقف الخلي أما خطيب يهدر بالصدق ويحدث العميان عن اليقين الذي يريد ولا يرون أنه قد يرجع مستهزئاً، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.

والمنكرون من هذا النوع لا يطمعون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة ولذا يقول الله عز وجل: { الله نزّل أحسن الحديث }[43] [44]

وبذلك يكون الشيخ رحمه الله قد تناول النقطة الثانية التي يتأكّد من خلالها إعجاز القرآن التأثيري في المؤمنين والكافرين به على حد سواء، وفي النقطة الثالثة يبرز الشيخ في بعض أسرار التأثير القرآني في الإنسان فيقول: ( إن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوّقه في الجدل أي بتقديم الدليل المفحم لكلّ شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجّة، فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل ومن تقصير لا عن قصور، والجدل آفّة نفسيّة وعقليّة معاً، فالنشاط الذهنيّ للمجادل يمدّه حراك نفسي خفيّ، فلما يهدأ بسهولة.... ويستكمل الشيخ بيانه عن وسائل القرآن التي تسبّب التأثير في النفس الإنسانية فيقول: ( إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تعتبر برودة الإلف وطول المعرفة فتتعرى أمام النفوس، وتنسلخ من ثكلتها وتصنّعها، وتنزعج من ذهولها وركودها وتجد نفسها أمام الله – جل شأنه – يحيطها ويناقشها، ويعلمها ويؤدّبها فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلّا أن تخشع وتصيخ.[45]

ثم يقول وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه وأمدّه بنشاط لا ينفذ والجدل غير الملل، هذا تحرّك ذهني قد يجد الأوهام ويحوّلها إلى حقائق وهذا موات عاطفي قد يجمّد المشاعر فما تكاد تتأثّر بأخطر الحقائق وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة بل عن موت قلوبهم وشلل حواسّهم، والقرآن الكريم في تحدّثه للنفس الإنسانية – حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاء وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين، حتى أنهم ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً ( وكذلك أنزلناه قرآناً عربيّاً وصرفنا فيه من الوعيد لعلّهم يتّقون أو يحدث لهم ذكراً ) [46] [47]

ومن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب، حيث يقول الشيخ ( والشعور بالرغبة والرهبة والرقّة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم والمغازي والعبر تقشعرّ منه الجلود [48].

ويتبيّن لنا أنّه تناول الإعجاز التأثيري من جوانب أربعة ولعلّ أهمّها جميعاً هو بيان ما في القرآن من وسائل تأثيريّة والتي أورد فيها تفصيلاً وتعليلاً لم نره عند كثير من السابقين.

سيد قطب ورأيه من تأثير القرآن الكريم:

يقول الشهيد قطب عن تأثير القرآن الكريم ( إن في هذا القرآن، سراً يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها.

إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن، يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هناك عنصراً ما ينسكب في الحسن بمجرد الاستماع لهذا القرآن يدركه بعض الناس واضحاً، ويدركه بعض الناس غامضاً ولكنه على كل حال موجود هذا العنصر الذي ينسكب في الحس يصعب تحديد مصدره:

أهو العبارة ذاتها ؟ أهو المعنى الكامن فيها ؟ أهو الصور والظلال التي تشعّها ؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميّز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللّغة ؟

أهي هذه العناصر كلها مجتمعة ؟ أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود ؟

ذلك سر مودع في كلّ نصّ قرآنيّ، يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبّر والنّظر والتّفكير في بناء القرآن كله )[49]

إن سرّ تأثير القرآن في النفس البشرية فيه كله، فكلّ جوانب العظمة والسموّ فيه، ألفاظه ومعانيه، وصوره، وظلاله، وإيقاعه، وأسلوبه، وشيء آخر بالإضافة إلى كلّ ذلك.

ويقول رحمه الله للقرآن تأثير عجيب على النفوس وسلطان قويّ على القلوب: ( ويبقى وراء ذلك السرّ المعجز في هذا الكتاب العزيز، يبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة متى خلي بينه وبينها لحظة – وحتى الذين رانت على قلوبهم الحجب وثقل فوقها الركام تنتفض قلوبهم أحياناً وتتململ، وتحت وطأة هذا السلطان وهم يستمعون إلى هذا القرآن.

إن الذين يقولون كثيرون، وقد يقولون كلاماً يحتوي على مبادئ ومذاهب وأفكار واتجاهات، ولكن هذا القرآن ينفرد في إيقاعاته على فطرة البشر وقلوبهم فيما يقول: ( إنّه قاهر غلّاب بذلك السلطان الغلّاب )[50]

إن للقرآن سرّاً خاصّاً على النفوس حتى يبلغ أن يؤثّر بتلاوته المجرّدة على الذين لا يعرفون العربية، وعلى العوام الذين يسمعون إلى تلاوته لا يطرق عقولهم منه شيء، لكن يطرق قلوبهم إيقاعه ويظهر على ملامحهم سره، إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن، وتشي بالقوّة الخفيّة المودعة في هذا الكلام، وإن الكيان الإنساني ليهتزّ ويرتجف ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن كلّما تفتّح القلب، وصفى الحسّ، وارتفع الإدراك، وارتقت حساسيّة التّلقّي والاستجابة، وإنّ هذه الظّاهرة لتزداد وضوحاً كلّما اتّسعت ثقافة الإنسان.[51]

ولذلك نرى سيّد قطب رحمه الله تعالى قد تناول الإعجاز التأثيري حيث بيّن ما للقرآن الكريم من وسائل وقوّة تأثيريّة كبيرة على النفوس المؤمنة وغير المؤمنة