البيداغوجيا الفارقية وتقنيات التنشيط -3-
بقلم:عبد العزيز قريش
مفتش تربوي
المبادئ الدالة إحصائياعلى الفروق الفردية
حتى يسهل التعامل مع الفروق الفردية وتوظيفها على الوجهالأكمل سوف نقترح بعض المعاملات الإحصائية الدالة دون التعمق في بعضها الآخرلتعقيداتها الرياضياتية التي تتطلب شروحا إضافية لا يتسع المقام والمقال لها. وسنتخذ فقط المتوسط الحسابي والبعد عنه لتحديد الفروق الفردية لسهولة توظيفهماوالتعامل بهما؛ وليكن في العلم أن لهذين المعاملين عيوبها الإحصائية في بعضالأحيان.
1ـ المتوسط الحسابي:
وهو مجموع النقط المحصل عليها من قبل8 =Sالمتعلمين مقسوما على عددهم، ونرمز له بالمعادلة التالية: X
N
هو8بحيثمجموع النقط، و Xهي نقطة كل متعلم على حدة، وN عدد المتعلمين،Sالمتوسط الحسابي، ووأما إذا كانت النقط أو المفردات الإحصائية على شكل تكرارFréquence فإن المعادلة8 =Sتصبح على الشكل التالي:f X
N
بحيث نفس المؤشرات مع اختلاف بسيط جدا؛وهو النقطة أو المفردات الإحصائية مضروبة في تكرارها، ثم جمع الخارج مع خارج النقطالأخرى أو المفردات الإحصائية الأخرى في تكراراتها، وقسمتها على عدد التلاميذ
.
فمثلا لو فرضنا أن جماعة القسم تتكون من 10 متعلمين ونقطهم المحصلة في معلوماتموضوع ما هي على الشكل التالي: 6، 7، 3، 4، 2، 8، 5، 9، 1، 0. فالمتوسط الحسابي هومجموع النقط المذكورة وهو: 6+7+3+4+2+8+5+9+1+0 مقسوما على عدد التلاميذ وهو 10؛فالمتوسط الحسابي يساوي إذن 4.5 . وأما إذا كانت النقط فقط هي مثلا: 8، 5، 6 معتـكـرارات مـتـتـابعـة عـلـى الشـكـل التالي مثلا: 5، 2، 3 فإن المتوسط الحسابييساوي: (8×5)+(5×2)+(6×3):10 = 6.8.
ومنه فإن التلاميذ الذين حصلوا على 4.5 فمافوق في المثال الأول هم الحاصلون على المعدل دون الآخرين، بينما في المثال الثانيفإن التلاميذ الذين حصلوا على 6.8 فما فوق هم الذين حصلوا على المعدل دون غيرهم؛وعليه من حصل على 6 فهو غير حاصل على المعدل بناء على المتوسط الحسابي الذي هو نزعةمركزية في عرف علم الإحصاء التطبيقي. وأما إذا أخذنا بالمعدل النظري وهو 5/10 فإنالمتعلم الحاصل على النقطة: 6 فهول حاصل على المعدل. وهذا لا يعطي نظرة حقيقية عنمستوى المتعلم مقارنة بمستوى القسم.
2ـ البعد عن المتوسط الحسابي:
لحسابالبعد عن المتوسط الحسابي وهو بعد بسيط حسب علم الإحصاء، نستعمل المعادلة التالية: ( X-X ).
وهي تؤشر عن البعد عن المتوسط الحسابي في مستوى أدنى من التعقيدالإحصائي، يمكن الاعتماد عليه في تكوين مجموعات متقاربة أو شبه متقاربة في الفروقالفردية، مما يسمح بتحديد أنشطة للتعليم والتعلم لتلك المجموعات مناسبة لها وتنطلقمن الفروق بينها.
وسوف نضرب لذلك مثالا؛ فنقول: لنفرض أن مستوى دراسيا ما يضم 20متعلمة ومتعلما، تتوزع نقطهم في تقويم تشخصي حول المعلومات الأبجدية لموضوع الدرسعلى الشكل التالي:
5، 8، 9، 8، 5، 4، 3، 4، 4، 7، 6، 6، 7، 8، 9، 3، 2، 2، 5، 6.
فالمعدل الحسابي للقسم هو: 111/20=5.55 ؛ وأما البعد عن المتوسط لكل متعلمفهو التالي:
(5.55-5=-0.55 )؛ (5.55-8=2.45 )؛ (5.55-9=3.45 )؛ (5.55-8=2.45 )؛ ( 5.55-5=-0.55 )؛ ( 5.55-4=-1.55 )؛ (5.55-3=-2.55 )؛ (5.55-4=-1.55 )؛ (5.55-4=-1.55)؛ (5.55-7=1.55 )؛ (5.55-6=0.55 )؛ ( 5.55-6= 0.55)؛ (5.55-7=1.55 )؛ (5.55-8=2.45 )؛ (5.55-9=3.45 )؛ (5.55-3=-2.55 )؛ (5.55-2=-3.55 )؛ ( 5.55-2=-3.55 )؛ ( 5.55-6= 0.55). وبالتالي فبعد كل متعلم عن المتوسط الحسابي نرتبه من السالبإلى الموجب هكذا:
- 3.55 ؛ -2.55 ؛ -1.55 ؛ -0.55 ؛ 0.55 ؛ 1.55 ؛ 2.45 ؛ 3.45 . وبذلك فإننا سنشكل من مجموع متعلمي القسم 8 مجموعات وفق هذه الأبعاد عن المتوسطالحسابي المحصلة. حيث تضم كل مجموعة التلاميذ الذين لهم نفس البعد عن المتوسط، معمراعاة معطيات بنود التقويم التشخيصي. وهي كالتالي:
ـ المجموعة 1 ذات البعد: -3.55 تضم تلميذين.
ـ المجموعة 2 ذات البعد: -2.55 تضم تلميذين.
ـ المجموعة 3ذات البعد: -1.55 تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 4 ذات البعد: -0.55 تضم 3تلاميذ.
ـ المجموعة 5 ذات البعد: 0.55تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 6 ذات البعد: 1.55 تضم تلميذين.
ـ المجموعة 7 ذات البعد: 2.45 تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 8ذات البعد: 3.45 تضم تلميذين.
وبناء على هذه المجموعات ومعطيات تقويمها التشخيصيسنبني أنشطة تعليمية تعلمية مناسبة لها، ومنه نكون قد انطلقنا في تعليمنا من الفروقالفردية المحصلة لدينا، أما إذا كان كل متعلم يشكل بعده عن المتوسط الحسابي حالةخاصة لا يشاركه الآخرون فيها، فإننا نعمل بالتعليم التفريدي، حيث نمكن كل حالةبأنشطة تعليمية تعلمية خاصة بها، وهذه الحالة قليلة عندنا خاصة مع الاكتظاظ الذييشهده تعليمنا فلابد من تشكيل مجموعات.
ونحن لن نذهب إلى المعاملات الإحصائيةالأخرى كالانحراف المعياري والتشتت والارتباط وt .. لأنها متخصصة جدا، ومنوطةبالبحوث والدراسات العميقة، ومؤسستنا التعليمية المغربية ليست مؤهلة حاليا لتوظيفالإحصاء النفسي وقياس القدرات الإنسانية، لأنها لا تدرسه ولا تمكن الأستاذ منه سواءفي مستوى التكوين الأساس أو المستمر. بل هناك من لا يؤمن به ولا يعترف به، فبالأحرىأن يطبقه.. ولكن سنعطي أمثلة تطبيقية نوظف فيها المتوسط الحسابي والبعد عنه فيإعداد درس مبني على الفروق الفردية، بمعنى درس يوظف البيداغوجياالفارقية.
البيداغوجيا الفارقية والتنشيط:
بما أن البيداغوجيا الفارقية تقومعلى الفروق الفردية وتوظف المجموعات في التعليم والتعلم، فهي ترتبط ارتباطا عضويابالتنشيط، وتعتمد عليه في تنشيط المجموعات، ومنه كان ضروريا التطرق إلى التنشيطوتقنياته ضمن مبحث البيداغوجيا الفارقية. فترى ما التنشيط؟ وما تقنياته؟ وقبل ذلككله لابد من استهلال في التنشيط.
استهلال:
يلعب التنشيط دورا هاما فيالحياة المدرسية، إذ يعد الأساس الداعم للفعل التعليمي التعلمي في المدرسة المغربيةبمفهوم التفعيل، ويعد مكونا من مكونات بنية هذا الفعل من منظور الممارسة الميدانية،ذلك أنه وسيط بيداغوجي فعال في مقاربة المواد الدراسية؛ حين يحمل تلك المواد إلىالمتعلم في شكل مقاربات متنوعة وهادفة. كما أنه جزء من مكونات بنية المادة الدراسيةحين يكون مستهدفا بالتدريس. لذا اعتمدته البيداغوجيا الجديدة منهجا وموضوعا للتدريسفي نفس الوقت. مما يجعل الفعل البيداغوجي حيويا. ينبض بالحياة؛ فمسرحة درس التاريخجزء من بعث زمانه ومكانه إلى الحياة، والوقوف على معطياته التاريخية السياسيةوالاقتصادية والإيديولوجية والاجتماعية والثقافية والدينية... وملابسات سلبياتهوإيجابياته. كما أن تكنلجة مادة الفزياء أو العلوم الطبيعية حين التدريس يحركالمتعلم ويبعث فيه الحيوية والنشاط بدل الإلقاء الذي يحيل الدرس إلى جماد وجمودوسكون، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعقيد المادة وتصعيبها على المتعلم.
ومنهذه الحيوية والفعالية التي يبعثها التنشيط في التدريس؛ أصبح هذا الأخير مناط طرقالتدريس الحديثة ومحط اهتمامها دراسة وطلبا واستجلابا لقاعة الدرس، وتفعيلا فيها؛لأنه وسيط حي مجدد لنشاط وحيوية المتعلم. يمكنه من مجموعة من الكفايات والقدراتوالمهارات، التي تقدر المتعلم على ممارسة التعلم في المدرسة وخارجها. ويدعممكتسباته ويراكم خبراته بما يضمن تخزينها في ذاكرته بعيدة المدى، التي يستدعيهخاكلما طلبت الحاجة إلى ذلك. لأن التخزين يتم بواسطة مفاتيح ضابطة لإشعال الذاكرةوالاسترجاع. فمثلا التلميذ الذي يدرس درس الفلسفة بواسطة المناظرة والحجاج بينالفيلسوف ومحاوريه أو ناقديه لن ينسى الدرس، بل يمكن أن يستدعي حيثيات الدرس منخلال مفاتيح معينة استدمجت في دخل الذاكرة. فمثلا يقول: لقد رد الفيلسوف الفلانيعلى منتقديه لما كان يحاورهم في المقهى. فالمقهى تشكل مفتاحا هنا للتلميذ، يشعل بهالذاكرة ويستدعي به حيثياث المقام ومضمون المال. وهكذا مع مختلف آليات التنشيط،التي توظف في التدريس. ومنه أمسى التنشيط اليوم رامزا للتفعيل والتفاعل والحيوية فيالفعل البيداغوجي. فكل فعل تدريسي يفتقد للتنشيط؛ فهو فعل ميت سكوني لا حركة فيه. يستدعي التكبير
والمبرمج التربوي المغربي واع بأهمية التنشيط منذ زمن بعيد،غير أنه تركه للتطوع والهواية في مرحلة ما قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وفي المرحلة الحالية مع هذا الميثاق نقله من التـطـوع إلى الإلـزامية، وأبقاه ـ معالأسف ـ في دائرة الهواية دون الاحتراف. وما الاحتراف إلا تخصيص التنشيط بمادةمستقلة لها برنامجها المقرر ومساحتها الزمانية وقادرها الممارس، المكون خصيصاللتنشيط، وأرضيتها اللوجستكية؛ التي تسمح بممارسة التنشيطداخل المدرسة المغربية. واعتمد في هذه النقلة النوعية، التي أصبغت على التنشيط أهمية قصوى في عشرية التربيةوالتكوين على مرجعيات أدبية وفلسفية وقانونية مختلفة نذكر منها:
أولا: طبيعةالإنسان التي تميل في عمقها إلى الاجتماع والتواصل مع الآخر، ضمن مدنيته الموجبةلتبادل المصالح والمنافع القائمة على التعاون والتآزر والاختصاص والتخصص. من حيث أنالإنسان لايمكنه القيام بجميع أنشطته بنفسه، والإلمام بها في نفس الوقت، وخصوصا فيعصرنا هذا. ذلك ( أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته .. فلابد من اجتماعالقدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم ) ، وهذا ما يدعو إلى الانفتاحعلى خبرات الآخر، وعلى إمكانياته، وعلى عطائه. فالناس في كليتهم تنشأ الحضارةوتتعدد مناحيها، وتتنوع منجزاتها، وفي مدنيتهم ينشأ التنشيط والتحفيز بحكم تنوعطبيعتهم النفسية، وقدراتهم العقلية، وطاقاتهم الجسمية، وإبداعاتهم الفردية. وفي ظلاجتماعيتهم يحتاج الفرد للآخرين، وتنمو مطالبه إلى ما عند الآخرين من منطلق اختلافالمكتسبات والقدرات والكفايات..
ثانيا: تطور المجتمع الدولي نتيجة التطور العلميوالتكنولوجي والمعلوماتي، الذي أفضى إلى طلب مستجدات سلوكية وقدرات وكفايات وأنماطمتنوعة من المفاهيم التي تدل على الفكر الجمعي والمؤسساتي، الذي هو الآخر يتطلبمفهموم التعاون والتآزر، والتضامن من أجل الإنجاز... وغدا استعمال الضمير " أنا " دالا على قصور في الفكر الاجتماعي الحديث للمتكلم بهذا الضمير. وأصبح الحديثبالضمير " نحن " عنوانا لفكر اجتماعي حداثي منسجم مع تطلعات المجتمعات العصرية،ومسايرا لفكر المجتمع المدني الذي يروج للفكر التضامني الجمعي. ذلك أن اليابان مثلاحاصرت المبادرة الفردانية ( Individualism ) وشجعت المبادرة الجماعية ( Collectivism )؛ مما يستوجب التنشيط وطرق التنشيط من قبل الفرد ليعمل داخل الجماعة. فهي ـ أي اليابان ـ تأكد ( على التعلم الجماعي وحل المشكلات. فجزء كبير من وقتالتلميذ سواء داخل الفصل الدراسي أو خارجه يخصص للدراسة الجماعية. ويتعلم التلميذمهارات التعلم الجماعي وحل المشكلات والحساسية لزملائه والحد من أنانيته من خلالالمشروعات والرحلات الجماعية، وتنظيم الفصل الدراسي، والأنشطة الجماعية الوثيقةالصلة التي تستمر فيها عضوية الفرد عدة سنوات. وهناك شعور عنيف بالفخر بإنجازاتالفريق أو الجماعة ينتشر في الثقافة كلها. وأكثر المحكات أهمية في تقدير نوع العملللترقية الدورية هو القدرة على العمل مع الآخرين بانسجام
وهذا التطور الحاصلفي المجتمع الدولي، يتطلب أكثر من أي وقت مضى التعامل مع الجماعة؛ لأنها أصبحتالبنية الأساسية في العمل. أو المؤسسة الاجتماعية الأكثر قابلية للتداول، مما يعنيزيادة الطلب على التنشيط؛ لكونه المدخل لاكتساب طرقه وأساليبه وأدواته وخططه، خاصةمن واقع ممارسته. ولهذا فإنه غني عن التذكير بتفاصيل أهميته في الفكر الجمعيالحديث...
ثالثا: روح الميثاق الوطني للتربية والتكوين المبنية على:
أ ـ كونالميثاق الوطني للتربية والتكوين نتاج عمل جماعي، تطلب مجهودا كبيرا في تنشيطاللجنة الخاصة به، وكونه تعبيرا واضحا عن الفكر الجماعي المؤسسة على التوافقالسياسي والمذهبي والديني والثقافي بغض النظر عن تحفضاتنا عليه. فهو تطلب تعاضدالكفاءات للخلوص إلى نتاج معبر عن اللجنة.
فالميثاق نفسه يتضمن روح الجماعةوتآزرها نحو الخلوص إلى موقف منسجم معبر عن مختلف الرؤى. وهو يظهر من هذه الناحيةأهمية التنشيط وكيفية إدارته من أجل التوافق. وبذلك كان عنوانه الكبير المعبر عنضرورة امتلاك مجموع أفراد اللجنة مفهوم التنشيط والعمل على تفعيله اتجاه بعضهمالبعض، فصد الإقناع والتوافق في المواقف والاتجاهات