|
:: دفاتري بارز ::
تاريخ التسجيل: 7 - 11 - 2008
السكن: الناضور
المشاركات: 153
معدل تقييم المستوى:
0
|
|
نشاط [ رشيد البعزاتي ]
قوة السمعة:0
|
|
21-12-2008, 15:08
المشاركة 1
|
|
سقوط من أعلى البكارة
تعج الحياة بالمفارقات العجيبة , والصور المتداخلة والمتشابكة , وجلباب الأب من أكثر الألبسة قابلية لتفجير ألغام التناقضات داخل الأسر , فقد يحدث أن يتوارث ككنز ثمين يحرص لابسه على المحافظة عليه , والضرب على كل يد تمتد لتغير معالم لونه أو شكله , مثلما قد يحدث أيضا أن يمزق في أول فرصة , أو تضعه الخادمة خرقة عند عتبة الباب , فتنهار عروة التلاحم الاجتماعي في شبه انسلاخ وجودي , لا يسلم معتركه من ندوب وحرائق تظل وشما غجريا خالدا , كما وقع ليسار حين أعلن انتسابه للحياة الحداثية بصرخة مدوية وتاريخية في وجه أبيه حين قال له ..
_جلبابك صدقه , فعسى أجره يبني لك بيتا في مملكة وهمك , فان سقط في يدي وأنت فان , فأرحم ما أصنع به عشا رأفة بالفئران.
أطلق الأب تنهيدة الحسرة , ثم رفع يديه الى السماء مناجيا نفسه..
_عديان الله , دوخوه , ولدي ولا كافر.
لم يتفاجأ والد يسار على موقف ابنه المخلخل لجذور الأسرة المتراصة , اذ سبق ولاحظ عليه تغيرات جوهرية تمس عقيدته و سلوكه منذ وطأت قدماه الجامعة , بداية تخلف عن صلاة الفجر بدعوى سهره الليل لمراجعة دروسه , ثم امتدت نيران الكفر لتحرق صلاة الجمعة بمبرر أنه ينام نصف النهار الأول , وانتهى به زورق الالحاد على مائدة الافطار نهارا في رمضان , وحين علت أصوات الاستنكار داخل أسرته , أخبرهم بمنتهى السخرية أن معدته المهمة مريضة , ثم حمل حقيبته بلا رجعة .
مرارا حاول الأب تقويم اعوجاجه , وارجاعه الى جادة الصواب , لكنه لم يفلح فسلوكاته اللادينية كانت مسندة بحائط فكري سميك , وقناعات لا تتزحزح ,وجنة حداثته قادته الى خط اللارجعة , فاختار التضحية برجعية أسرته , لقاء قذف نفسه في دنيا التحرر الانساني والتقدمية وعبودية العقل ,شعاره في ذلك ( كل ما هو صلب يبدد في الهواء) , فأحرق تاريخ عائلته في نفسه ,وبدد رفاتها في الهواء.
في الجامعة ملامح شتى غادية رائحة , حشر بنكهة خاصة , لا حساب فيه , ولا مقص يلاحق الأنفاس , وحده صوت العقل والشهوة يعلو سماءها في تناعم تام , ويمضي يسار مثقلا بأسئلة الوجود , صباحا ينتقل من مدرج لآخر , يدون كل تفاصيل المحاضرات , يناقش ماركس , ينتقد نيتشه, ويحاجج سارتر , وفي المساء تلتف حوله الأعناق مزدحمة اذ يخطب وينتقد ويدين , ف(حلقيته) / محرابه باتت من أكثر المشاهد جدلا ومتابعة , وليلا يسلم روحه لكأس تلفظه على جزر النشوة .
هو ذا يسار قبل أن تنضاف الى اهتماماته براءة ريحانة , الشابة التي أطلقت عليه ذخيرة الحب فأردته منهزما , وفتحت في صدره مساحة للضوء , قالت له يوما..
_تحررت من تراث أجدادك , والآن أدعوك أن تتحرر من عبودية أسيادك.
فأجابها..
_اللعين الوحيد الذي تحررت منه هو يحيى حقي الذي انتصر للوهم على الحقيقة في قنديل أمه الهاشمية.
_وماذا عن العائلة يا يسار ؟
_أوف , كفي عن الحديث عن الأطلال , وهل الأسرة والزواج الا منتهى العبودية.
_ وماذا عني ؟ يتهيأ لي أني مجرد ابرة ترتق أشلاءك المتناثرة في مدن غربتك.
_أعترف يا ريحانة أنك أحلى أسئلتي ,رعشة في كبد الربيع تهزني , حين يتآمر حزن الخريف على أيامي , ماذا أسميك غير صليبي , وطعم التاريخ العسلي.
ومرت الأيام بصخبها وحركتها الدؤوبة , توظف يسار قبل أن ينهي سنته الأخيرة , ودخل عهدا جديدا, بعدها تزوج ريحانة...وفي ليلتهما الأولى بادرته قائلة..
_أرجوك يا يسار , ليلتنا ينبغي أن تمر خارج نقاشاتك البزنطية..
_حاضر ريحانتي , سأنشدك بعضا من قصائدي , ولن أسمح لك بالتعليق.
بصوت عذب أنشد يسار , تتمايل على ايقاعه ضوء الشمعتان المنتصبتان في ركن الغرفة , والورد المصطف بعناية تارة يبتسم وتارة أخرى يعطر شاعرية الفضاء , وريحانة في جلستها الصينية وفستانها الشفاف , تنصت وتتابع المشهد في غيبوبة , وحده صدرها الذي يعلو وينخفض ينبأ بحياتها , ثم استفاقت بين ذراعيه مضمومة مستسلمة...
...قفز مسرعا من سريره , أشعل ضوء الغرفة , أزاح الغطاء , ثم تمعن فيه جيدا , لا أثر لما يبحث عنه , أعاد المحاولة مرة أخرى بدقة أكثر , لكن بياض الوشاح اسود عيناه وصرخ في وجه ريحانة..
_أخرجي أيتها الفاجرة اللعينة..
_اهدأ يا يسار ..سأشرح لك الأمر..
جرها من شعرها بقوة , قذف بها خارجا , ثم أتبعها حقيبتها وأغلق الباب , أشعل سجارته ثم لأول مرة تعبر صورة الأب طريق عينيه فأجهش بالبكاء .
|