:: دفاتري ذهبي ::
تاريخ التسجيل: 24 - 12 - 2007
المشاركات: 1,098
|
نشاط [ أبو حسام الهواري ]
معدل تقييم المستوى:
335
|
|
ورقة من مذكرات معلم جديد
01-02-2009, 18:58
المشاركة 19
تدروين ، ترى ماذا تبقى منها في ذاكرتي ، لحظات حالمة عشتها بين النخيل ، لحظات مفعمة برائحة الوادي و انا جالس ، رجلي في الماء و العينان تبحران في كتاب ، يشملك الاخضرار ، تطير الذاكرة ، تطير ، حتى يتجلى أمامك الوادي كثعبان أخضر غائر في تضاريس وجه صخري .
تتجاوب الأصوات بين الواجهتين الصخريتين للوادي ، يتشتت صدى الزغاريد يتقاذفه النخيل و الصخور ، يتملكك إحساس و أنت غارق وسط النخيل ، كأنك المتنبي في شعب بوان ، غريب الوجه و الكف و اللسان ، تأتيك الأصوات تتهادى كأنها تأتي من بئر سحيق ، كل صباح تتجاوب مواويل أمازيغية بين ضفتي الوادي ، تبدأ هذه لترد تلك في مسرح احتفالي للنخيل.

تكدسنا في سيارة من نوع (ترنزيت) كنا أكثر من عشرين معلما و بدأت تنهب الطريق نهبا ، كانت تفور بهدير من الأصوات كل يحكي عن مدينته ، كان البلد كله منحشرا في هذا الجسم الحديدي المتهالك ، بعد ان اجتاز الحواجز الأمنية ، ووضع في يد الشرطي قهوته المعلومة .
بدأت معالم تارودانت تغيب وراء الأفق و كان آخر معلم ، ودعناه محطة تزويد الوقود ، يتراءى لنا الجبل من بعيد كسراب في الصحراء ، امتد الطريق المعبد امتداد الصراط ، كل يخاف أن يتخطف من جانبه ، عالم غامض ، و الجسم الحديدي منجذب نحو الجبل كمغناطيس ، كان البعض منخرطا في أحاديث ثنائية ، و البعض ساكن يتملى مصيره ، و يختلس بين الفينة و الأخرى نظرات حرى عبر الواجهة الزجاجية إلى الجانبين ، كمن يبحث عن شيء فقده .
بدأ السراب ينساب عن وجه الجبل العجوز انسياب الرمل عن وجه عملة قديمة ، و الجسم الحديدي يتهادى يمنة و يسرة ينوء بما تكدس داخله و فوقه من كتل بشرية و بضائع ، يصدر صريرا من كل جانب ، يزفر زفير ثور هائج .
ملامح الوجه العجوز الجاثم أمامنا تزداد و وضوحا ، بدأ يفغر فاه استعدادا لابتلاع الجسم الحديدي المتهادي أمامه ، الذي بدأت تخف سرعته إلى أن استدار ،،

وادي "أرغن" ثنين غارق في الجبال ، خرست الأصوات التي كانت تهدر داخل السيارة جالت الأعين في الأرجاء ، تناثرت شجيرات الأركان متسلقة سفوح الوادي ، الطبيعة اكتست حلة من رماد ، بين الفينة و الأخرى يلوح " دوار " متشبث بالصخور ، تحجرت الكلمات على شفاهنا ، و استحالت الأفكار حمما حرى تنبعث مع كل زفير .
ابتلعنا الثنين ، غبنا في أحشائه ، كان الصيف يلفظ آخر أنفاسه ، و بين الفينة و الأخرى تهب نسمات " سبتمبر " الحارة تدفع معها نباتات وحشية تتكدس على جنبات الطريق المتربة ، خضنا في بحر من خراب ، ابتلعتنا الحجارة و اكتسينا بالتراب ، السيارة تزفر وسط غمامة من غبار ،
جئنا لنغير العالم ، نمتشق سيوفا من نور ، حقائبنا ملئى بآمال عراض ، " كولومبس " يزيح الستار عن عالمه الجديد ، يا جبال أوبي معنا و رددي نشيد الفتح من جديد ، فتستحيل الرسالة في قلوبنا إلى رماد ، و السيوف إلى خشب ، و تناثرت الحروف شظايا من صخور.
قام فينا الرغيف خطيبا : " يا معشر الجياع ، النازحين من كل قاع ، الجبال أمامكم ، و البطالة وراءكم ، و ليس لي و لكم إلا ما اخترتم "
رفعنا راية الاستسلام ، و أحرقنا مراكب الرجوع ، و خرست الدمعة في الأحداق .
|