
لم تكن اللغة العربية بحاجة إلى نصرة أهلها، كما هي اليوم، فهي تشتكي أمرها لا من ضعف فيها، وإنما من ضعف ألسنة الناطقين بها، فأصحاب العربية الذين نقلوا لغتهم مع - انتشار الإسلام - إلى مشارق الأرض ومغاربها وأصبحت اللسان الوحيد السائد بين شعوب البلاد التي فتحها المسلمون، بعد أن اكتسحت كل اللغات واللهجات السائدة، أصبحوا اليوم يندبون حظها، ويتباكون عليها، لأنها لم تعد في الصدارة بين اللغات، ولا عند أهلها في سلم الأوليات. مع أنها تمثل كيانا دينيا وقوميا يمثل أغلى ممتلكات الأمة العربية والإسلامية، فهي قرين ذاتنا وهويتنا وثقافتنا وحضارتنا، ويجب علينا ألا نخطئ في حقها، لأن الخطأ فيها ، يعني الخطأ في حق أنفسنا.
ولغتنا العربية لغة جميلة بذاتها غنية بمفرداتها، ويكفيها شرفا أن يتنزل القرآن الكريم بها، لتظل لغة الإعجاز والبلاغة فقد شرفها الله عز وجل عندما اختارها لدين سماوي عظيم هو الإسلام، وهي اللغة الوحيدة التي تعهد الله بحفظها، كما قال عز وجل " إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
وتعد اللغة العربية من أغنى اللغات بالمفردات، مما يتيح لمن يتحدث بها أن يعبر عن كل ما يجول في خاطره بسهولة مطلقة، وهي طيعة لمن يستخدمها بما تملك من إمكانات لغوية وطاقات تعبيرية هائلة.
ويخطئ من يظن أن لغتنا العربية لا تستجيب لمتطلبات العصر أو للمستجدات الطارئة، فالعربية لغة معاصرة ومتجددة، والتراجع فيها ليس بسبب ضعفها، وإنما بسبب زوال قوة أبنائها في مجالات البحث العلمي والاكتشافات والاختراعات، فساد- بسبب ذلك – غيرنا علينا، وفرضوا لغاتهم وأنماط حياتهم علينا، وبقينا نجلس في العربة الأخيرة في قطار الحداثة المندفع بقوة نحو آفاق جديدة من العلم والحضارة.
وما يزعج الآن حقا هو تواتر المفردات غير العربية في لغتنا المحلية، وازدياد هذه المفردات بشكل سريع دون رقابة أو حساب، وكأن الأمر لا يعنينا، أو كأن الاعتداء على اللغة أمر سهل، يمكن تقبله والتعامل معه على أنه أمر واقع، مع أنني أعتقد أن الاعتداء على اللغة مثل الاعتداء على الأرض والعرض، لأن كرامة الإنسان من كرامة لغته التي يتحدث بها، فكيف نسمح لأنفسنا أن نستعمل لغة الآخر الذي نصفه بالعدو، ثم نتساوق مع مفرداته التي يفرضها علينا، مفردات كثيرة ومؤلمة ومع ذلك نتقبلها، ونجعلها بديلا لمفرداتنا العربية ، فهل قبلنا باحتلال الوطن حتى نقبل باحتلال اللغة .