تقوم الديمقراطية الغربية ويقوم المبدأ الرأسمالي العلماني على أساس فصل الدين عن الحياة، وبالتالي فصل الدين عن الدولة، فنظام الحكم لا علاقة له بالدين. والديمقراطية الغربية كصورة لنظام الحكم في الرأسمالية، آتيه من جهة أن الإنسان هو الذي يضع نظامه، ولذلك كانت الأمة مصدر السلطات، والسيادة للشعب، لا للشرع.فالدين المنزل من عند الله معزول نهائياً في النظام الديمقراطي الغربي، لأن الغرب اعتنق هذه الفكرة ـــ بعد صراع رهيب بين فلاسفة أوروبا من جانب والكنيسة والحكام المستبدين من جانب آخر ـــ في بادئ الأمر كحل وسط من الناحية العملية، ثم تطور هذا الحل الوسط العملي، بعد نقاش طويل في الأوساط الشعبية والدينية والفكرية وبمجهود كبير من الفلاسفة والمفكرين والناشطين السياسيين حتى أصبح مبدأً، أي عقيدة كلية عن الكون والإنسان والحياة ينبثق عنها نظام متكامل، وحتى أصبحت فكرة فصل الدين عن الحياة، هي القاعدة الفكرية للإنسان الغربي التي تحدد وجهة نظره في الحياة،فأصبحت العلمانية أو الدنيوية وتسمَّى أحيانا «الائكية» هي «الدين» السائد في الغرب: فهي دين على الحقيقة يقوم بكافة وظائف الدين: أي أن أوروبا خرجت من دين «الكهنوت»، فدخلت في دين «العامة»، وهذه هي الترجمة الحرفية للفظة «الائكية». وعلى هذا الأساس تعالج عندهم جميع مشاكل الحياة، وعلى هذا الأساس وجدت الديمقراطيةالغربية، فالسيادة في الديمقراطية الغربية للشعب، وفي نظام الحكم في الإسلام للشرع،فشتان بين من يقيم نظامه على أساس الشرع، ومن يقيمه على أساس العقل.وإذا كان الغرب نفسه يؤمن بأن الديمقراطية لا سند لها من الدين المنزل، ولا علاقة لها بالوحي،وأنها إنما هي من وضع الإنسان، وأنها في الحقيقة مقتبسة عندهم من التراث الإغريقي الروماني، فإنه يمكن القول بأنه من باب التضليل المؤذي إلى أبعد الحدود أن يحاول الناس تطبيق المصطلحات التي لا صلة لها بالإسلام، على الأفكار والأنظمة الإسلامية فضلاً عن وصفها بأنها إسلامية، وأن يخلع على الديمقراطية الغربية ثوب الشريعةالإسلامية. وأنه لعجيب حقاً أن نجد بعض علمائنا ومفكرينا يحاولون أن يدخلوا تحت راية الإسلام نظرية غربية غريبة عليه ذلك لأنه قد غشي على أفكار الباحثين العصريين المهزومين ــ ذلك التصور الغربي لطبيعة الدين، وأنه مجرد عقيدة في الضمير، لاشأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة.ومن يتتبع قول القائلين بشرعية الديمقراطيةالغربية، لا يجد أي دليل شرعي في قولهم، إنما هو الرأي المجرد، الذي يجري لاهثًا وراء كل بدعة مستحدثة، ليصل إلى فصل الدين عن الدولة، وإنكار أن يكون نظام الخلافةالقائم على سيادة الشرع الذي ساد بين المسلمين عصوراً طويلة جزءً لا يتجزأ من نظام الإسلام. ولما كان نظام الحكم في الإسلام قائماً على أساس الشرع بينما يقوم النظام الديمقراطي على أساس فصل الدين عن الحياة، كانت الديمقراطية الغربية نظاماً كافراً ما أنزل الله به من سلطان.فالشرع هو الحاكم الذي يصدر حكمه على أفعال الإنسان، وعلى الأشياء المتعلقة بأفعاله. وبالتالي فالسيادة للشرع مطلقاً، ولا معنى لقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} إلا أن يكون الشرع هو الحاكم، وهو صاحب السيادة وحده مطلقاً،وقد سبق البرهان على أن السيادة للشرع وأنه لا حكم للعقل: بالقرآن، والسنة، وإجماع الصحابة، وضرورة العقل نفسه.فالديمقراطية تقوم أساساً على أن السيادة للشعب، أي للعقل، نظرياً على الأقل، وللهوى والشهوات والمصالح الطبقية والفئوية والجهوية فعلياً وعملياً، والإسلام يرفض ذلك مطلقاً، ويقرر قاعدة للحكم هي أن السيادة للشرع لا للشعب. قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوافي أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما}. وقال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».وعليه فأي نظام للحكم يقوم على أساس أن السيادة للشرع، فإنه نظام أنزله الله تبارك وتعالى. أما إن قام على أساس أن السيادة للشعب، فإن النظام حينئذ يكون قد خرج عن الإسلام، وبالتالي فهو احتكام إلىالطاغوت، أي هو كفر بما نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبسائر النبيين من قبل. قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ،فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}، فتحكيم الشعب بجعله صاحب السيادة تحكيم للجاهلية، أي تحكيم واحتكام للكفر الصراح.وبما أن الحاكم هو الشرع، ولا حكم قبل وروده، و الشرع هو الذي ينشئ الأحكام إنشاءً بوروده، وهي معدومة، لا وجود، لها قبل وروده، لذلك فإن ما تقوم عليه الديمقراطية الغربية من فلسفة في نظام الحكم من جعلها السيادة للعقل ما هو إلا فكر باطل مردود بنص القرآن، إذ لا سيادة لغير الشرع، وكل القوانين التي تصاغ من قبل الناس بناء على العقل وحده، إنما هي قوانين لم تستنبط استنباطاً شرعيا، وبالتالي فهي ليست أحكاماً شرعية، وما ليس بشرع، أي ما ليس بإسلام، يتعين أن يكون كفراً،ولاشيء سوى ذلك. فلا يجوز العمل بها في بلاد المسلمين، حتى فيما وافق التشريع الإسلامي، لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها إنما نظر إلى موافقتها للعقل، أو إلى تحقيقها للمصلحة، أو إلى موافقتها لقوانين أوروبا ولمبادئها وقواعدها، وجعلها ذلك كله أو بعضه الأصل الذي يرجع إليه فهو آثم، كافر،مرتد، بهذا سواء أوضع حكماً موافقا للإسلام أو مخالفاً، لأن القوانين التي انبثقت من النظام الديمقراطي الغربي الذي فصل الدين عن الحياة، قامت أصلاً بناء على العقل،كافرة بالإسلام كنظام عام شامل كامل لجميع شؤون الحياة، ولأن الإسلام هو الرد إلى الله ورسوله، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.__________________
منقول