 |
:: أديـب و مفكــر ::
تاريخ التسجيل: 24 - 9 - 2008
السكن: وجدة / المغرب
المشاركات: 2,371
معدل تقييم المستوى:
456
|
|
نشاط [ محمد معمري ]
قوة السمعة:456
|
|
07-04-2009, 10:25
المشاركة 1
|
|
رأيت طفلا..
رأيت طفلا..
كنت ساهيا وسط الضباب الكثيف الذي انتشر في ذاكرتي جراء الهموم، والأحزان، والمشاكل المتراكمة كالسيل العارم..
كان أمامي طفل يداعب أباه في حديقة عمومية.. وما أثار انتباهي تلك الضحكات الملائكية الصادرة من ثغر الطفل الوسيم.. انقشع الضباب، سوى رواسب ثابتة لا تنقشع ولا تزول لأنها باقية ببقائي..
رأيته يضع يديه الجميلتين الناعمتين كأنهما ريش الحمام على رأس أبيه انطلاقا من مقدمة رأسه المستدير، ويرد شعره الحريري الانسيابي إلى الوراء ثم يبتسم قائلا:
- هكذا أنت جميل جدا يا أبي! نعم هكذا أنت أجمل! حقا هكذا أراك رائعا!
يبتسم أبوه ويقبله، يضمه إلى صدره ويدق بحنان وعطف على ظهره الفتي وهو يقول:
- مهما يكن، أنت أجمل مني!
ثم يرفع ذراع أبيه كأنه في قاعة الكمال الجسماني قائلا:
- أنت بطل يا أبتي!
نظر الأب في وجه ابنه نظرة مختلفة كأن صدمة كهربائية قد صدمته وقال:
- لا يا ولدي! لا تقل: أبتي!
الطفل كأنه شعر بغضب أبيه! ولكن لم يفهم شيئا؟ فقال محتارا في أمره:
- لماذا يا أبي لا أقول لك أبتي!؟
- لأني يا ولدي لست في مقام "أبتي"!
- لقد قرأتها يا أبي في القرآن الكريم حين قالها سيدنا يوسف لأبيه، وسيدنا إسماعيل لأبيه، عليهم السلام؛ فكيف لا أقولها أنا لك!؟
بدأت دموع الأب تسيل.. فصرخ الطفل باكيا:
- سامحني يا أبي لقد أغضبتك، سامحني من فضلك..
ضم الأب ابنه إلى صدره وقبله تقبيلا حارا، وهو يمرر يديه على ظهر ابنه الذي عانقه بحرارة.. وقال له:
- لم تغضبني يا ولدي! ولكن وخزت قلبي الغافل، وهيجت نار فطرتي..
لم يكمل كلامه بسب حالة ابنه التي تشبه حالة هستيرية!.. كان يجري تقريبا أربع خطوات، ثم يعود اتجاه أبيه في مشهد يتكرر بسرعة والطفل يلطم خذيه وهو يصرخ:
- لا! لا! لا! لا!...
كان الأب ينظر نظرة الحائر المشدوه لابنه وهو على هذا المشهد الرهيب.. وفجأة صعق الأب.. ارتمى عليه ابنه وهو يمرر يديه الناعمتان على وجه أبيه الذي بدأ يبدو شاحبا بعد أن كان مشرقا.. ويقبله ويبكي وهو يقول:
- أبي قم يا أبي! قم من فضلك! سامحني يا أبي سامحني! قم! قم! قم! أرجوك!..
كان يحرك له رأسه يمينا وشمالا.. وتارة يحاول أن يفتح له عينيه.. لكن تعود الرموش لإغلاق العنينين.. وتارة يمسح دموعه التي تهطل على وجه أبيه.. وكم كان يتوسّل إليه كي يقوم والخنين يؤثر على كلامه..
اجتمع الناس.. اختلفت آراءهم.. منهم من أخبر سيارة الإسعاف، ومنهم من أخبر الشرطة، ومنهم من وضع على رقبته المفاتيح! ومنهم من بدأ يرشه بالماء، ومنهم من وضعه في الوضعية الجانبية السليمة..
كان الرجل فقط في حاجة إلى الوضعية الجانبية السليمة، والأكسجين، إلا أن الجوقة التي أحاطت بهما من الممكن أن تسبب في خنقه مما يؤدي به إلى الموت دون أن تعرف أنها هي السبب في قتله.. كثرت البلبلة والتساؤلات.. الطفل في حالة صدمات متتالية وكل واحد يطرح عليه أسئلة كأنه ممثل أمام المحكمة!..
قدمت سيارة الإسعاف، والشرطة.. ولكن الأب كان قد بدأ يستيقظ من غيبوبته التي دامت دقائق معدودات.. أبى أن يذهب إلى المستشفى.. لأنه كان يشعر بوعيه في تحسن مستمر.. انصرفت الجوقة.. حمل الأب طفله وقبله وسارا في الطريق...
بقلم: محمد معمري
كل مواضيعي قابلة للنقد
محمد معمري اسم الشهرة: علاوي ياسين
[IMG]http://www.************/vb/image.php?type=sigpic&userid=30926&dateline=123453 5670[/IMG]
التعديل الأخير تم بواسطة محمد معمري ; 07-04-2009 الساعة 15:16
|