فـــــــــــرج الله ...
جلست هاجر رضي الله عنها بجوار ابنها الذي بُح صوته من البكاء وشدة العطش , وقد أوشك اليأس أن يسيطر عليها .
وفي هذه اللحظة جاءها فرج الله , وأدركتها رحمته ؛ إذ أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام فضرب الأض بجناحيه , فخرجت عين ماء بجانب الصغير , فهرولت الأم نحوها , وقلبها ينطق بحمد الله علي نعمته , وجعلت تغرف من مائها , وتحاول جاهدة إنقاذ فلذة كبدها , وتقول لعين الماء : زمِّي زمِّي , فسميت هذه العين زمزم . وقد أخبر النبي محمد صلي الله عليه وسلم بما فعلته السيدة هاجر , فقال : " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت زمزم عيناً معيناً " .
ومن عين الماء شربت الأم حتي ارتوت وشبعت , ثم أرضعت ابنها حتي رأت الابتسامة علي وجهه قد ظهرت , فكان ذلك من رحمة الله بها وبولدها .
وقد جعل الله عز وجل ما فعلته السيدة هاجر رضي الله عنها من السعي بين الصفا والمروة شعيرة من شعائر الحج والعمرة بعد ذلك . قال تعالي : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوَّف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم ) .
ومرت الأيام علي هاجر وابنها وهما بجوار بئر زمزم .
وذات يوم , رأت قبيلة جُرهم العربية الطيور تحوم حول المكان الذي فيه بئر زمزم , فعلموا أن في هذا المكان ماء , فتوجهوا إليه , فإذا بهم يرون البئر وبجواره هاجر وابنها , فاستأذنوها أن يقيموا معها , فأذنت لهم بالسكن بجانبها ,ومشاركتها في الشرب من ماء زمزم , واستأنست بهم , وشب الطفل بينهم , وتعلم اللغة العربية منهم .
البـــــــــــلاء الشديد ...
ظلت هاجر مع ولدها إسماعيل وسط العرب بجانب بئر زمزم , والغلام يكبر امام عينها يوماً بعد يوم .
وكان إبراهيم عليه السلام يزور هاجر وابنها من وقت لآخر , ففوجئت بزوجها ذات يوم يخبرها بأنه رأي في منامه أنه يذبح ولده الوحيد آنذاك ؛ وهو إسماعيل عليه السلام .
وكانت هاجر مثل إبراهيم تعلم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي , فصمتت هاجر برهة من الزمن , وكاد أن ينشب صراع في نفسها , إذ كيف تضحي بولدها الوحيد , وفلذة كبدها , التي سهرت الليالي ترعاه , وتعبت من أجله تعباً لم يتعبه أحد , ولكنها سرعان ما عادت إلي يقينها وإيمانها , فرضيت بقضاء الله وقدره , وصبرت , وأطاعت أمر ربها في قوة وعزم , ثم جاء دور الابن ؛ حيث أخبر إبراهيم عليه السلام ابنه بالأمر , فلم يكن الابن الصالح أقل طاعة من أبيه وأمه , فقال : ( يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) .
وبعدما أخذ إبراهيم عليه السلام ابنه وتوجه به إلي الصحراء ليذبحه إذ بالشيطان يأتي السيدة هاجر , ويحاول أن يخرجها عن تقواها لتثور علي إبراهيم إنقاذاً لولدها , لكنها رجمته بسبع حصيات , واستعاذت بالله منه , فابتعد عنها , وكذلك فعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام , فكان ذلك أساس رمي الجمار الثلاث في الحج بعد ذلك .
الفـــــــــــداء العظيم ...
انتظرت هاجر في البيت بعدما ذهب زوجها إبراهيم بابنها إسماعيل , وراحت تدعو ربها في تضرع وبكاء أن يرفع هذا البلاء الشديد , ويلطف بها وبزوجها وابنها , وإذ بها تري إبراهيم يعود بابنها سالماً , وكانت هذه مفاجأة لها , فتعجبت , وأسرعت إلي زوجها تسأله في دهشة عما حدث , وكيف لم يذبح ابنها , وإذ بها تري معهما كبشاً مذبوحاً , فزادت دهشتها , فأسرع إبراهيم عليه السلام يبشرها بالخبر , فقد رفع الله البلاء , وفدي ابنها بذبح عظيم , جاء به جبريل عليه السلام من الجنة , قال تعالي : ( فلما أسلما وتله للجبين . وناديناه أن يا إبراهيم . قد صدَّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إنّ هذا لهُو البلاء المبين . وفديناه بذِبحٍ عظيم ) .
ففرحت هاجر بنجاة ابنها , وشكرت ربها وحمدته , ووزّع إبراهيم لحم الكبش علي من حول حرم الله وأكل منه هو وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل .
وفــــــــــــــاة هاجر ...
عاشت هاجر سعيدة مع ابنها إسماعيل , وشبّ ابنها وأصبح رجلاً , وتزوج امرأة عربية , ورأت هاجر ابنها وهو يساعد أباه في بناء بيت الله الحرام وكعبته المشرفة للطائفين والعاكفين , وقد حجت هاجر مع زوجها وابنها , وأدت شعائر الحج معهما , وظلت في مكة تعبد الله ليل نهار حتي حان الأجل , فماتت , وصعدت روحها الطاهرة إلي بارئها , بعدما تركت لنا مثالاً رائعاً للزوجة المطيعة , والأم الحانية , والمؤمنة القوية , وكان عمرها يوم وفاتها 90 سنة , ودفنها إسماعيل عليه السلام بجانب بيت الله الحرام .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته