:: دفاتري فعال ::
تاريخ التسجيل: 30 - 3 - 2009
السكن: ابن أحمد - المغرب
المشاركات: 276
|
نشاط [ نورالدين فاهي ]
معدل تقييم المستوى:
238
|
|
26-04-2009, 01:29
المشاركة 33
أخي علال ، تحية طيبة..اسمح لي إن توقفت قليلا عند مقطوعة ’من الناس’.
أول ما نتوقف عنده هو العنوان باعتباره العتبة الأولى لها.. فهو يتكون من مكونين : الأول - وهو حرف الجر ’من’ والثاني هو الناس..الأول يفيد البعض ، والثاني يحدد المجال الذي يندرج ضمنه هذا البعض.. والفرضية التي تطرح أمامنا هي أن المقطوعة تتخذ من بعض الناس موضوعا لها.. لكننا لا نعرف نوعية هؤلاء الناس ولا المقصد من اتخاذهم موضوعا..إلى حدود هنا يظل الأمر ملتبسا..إلا أن اللبس سرعان ما يزول إذا انتبهنا إلى اللازمة التي تتصدر فقرات المقطوعة..كل فقرة تبدأ ب ’من الناس’..وهذا يؤكد الفرضية مؤقتا.. واللازمة المتصدرة l'anaphore هاته وردت مذيلة بكلمة’صنف’ في الفقرة الأولى والأخيرة ، بينما وردت مذيلة ب’ من’ في باقي الفقرات.. وهذا يؤكد الفرضية ثانية حيث تصبع كلمة ’من’ - هنا - مرادفة لكلمة’ صنف’ والتي تعني بدورها ’ بعض’.. لنخلص إلى تغريض المقطوعة هكذا: صنف من الناس، بعض من الناس، بعض الناس..
وإذا قمنا بقراءة أولى للمقطوعة ، نلاحظ هيمنة مدونة الأوصاف والنعوت التي تحشر نماذج بشرية - بناء على سلوكها - في الإطار الأخلاقي العام الذي هو الشر.. وهنا تتحدد هوية الناس الذين تتخذ منهم المقطوعة موضوعا لها.. كما تتحدد الخلفيات والمرجعيات المتحكمة في النظرة إلى هؤلاء الناس.. المرجعية الأولى أخلاقية تنطلق من قاعدة القيم الإنسانية النبيلة.. والثانية دينية تتخذ من الشريعة معيارا لها..والثالثة تربوية وهذا أمر بديهي بحكم طبيعة المهنة..وهذه المرجعيات تقود دائما إلى تصنيف الناس صنفين: خير وشرير..وبحكم تفشي نموذج الشر في الحياة الاجتماعية وندرة نموذج الخير، حاولت المقطوعة تجسيد الحضورين بتركيز على الأول وبإشارة إلى الثاني وإبداء الاستعداد للتضحية من أجله ولو بالعين.. تقابل النموذجين في المقطوعة يوحي بتحكم نسق ثنائي في بنيتها..لكن ذلك غير صحيح.. فالمقطوعة ذاتها - باعتبارها تتخذ موقفا رافضا للنموذج الأول ومضحيا من أجل الثاني - تساهم ضمنا في بناء نسق ثلاثي تشكل المقطوعة قطبه..لكن هذا النسق لم يساهم في وضع آلية شكلية من شأنها أن تنظم فضاءالمقطوعة..ذلك أن فقراتها غير متماسكة من الناحية المنطقية إذ لا نلمس أي تدرج أو توليد أو استلزام فقرة لأخرى دون غيرها كي تتعالق معها مثنويا ..وهذا ما يسمح بانتزاع فقرة من مكانها في المقطوعة ووضعها مكان أخرى دون أن تتغير المقصدية..
وتتناص المقطوعة مع خطابات أخرى على مستوى الموضوع الاجتماعي الأخلاقي وعلى مستوى البنية.. ومن هذه الخطابات المشابهة نستحضر مقالات المنفلوطي في النظرات عن ’الضمير’ و’الكذب’ .. وهي تطرح مجموعة من القضايا أهمها: ما السبب في تردي الحياة الأخلاقية؟ وكيف الخروج من نفق أزمة القيم؟ وهذا هو ما يشكل مقصدية المقطوعة.. فهي على الأقل تذكر بالأزمة..والحل لا يمكن أن يكون إلا حلا تساهم فيه كل الفعاليات الغيورة على أصالة القيم وحرمتها..
ليعذرني أخي علال الذي أحببت التواصل معه ومع كل الدفاتريين.. والذي أنتظر منه المزيد من العطاء وما ذلك عليه بعزيز..وشكرا.
التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين فاهي ; 26-04-2009 الساعة 23:08
|