تمر الأيام متشابهة اثنينها كثلاثائها، وسبتها كأحدها،وحدة قاتلة،كنت أفضل أن اعمل يوم الأحد وأقضيه مع الأطفال على أن أبقى وحدي،الوحدة قاتلة،طال شعر رأسي ، أطلقت العنان للحيتي ، زاهدا في حياتي ،أصبحت كالحلاج في زمانه ،كان لزاما علي تدبر أمر الوحدة والقضاء عليها،كنت
أحيانا أزاول رياضة المشي ، أثناء سيري ليست هناك أرض مستوية إطلاقا في الفرعية، أمشي إما صعودا أو نزولا، صعود جبل شامخ في عناد، أو نزول من سفح شديد الانحدار، وجدت صعوبة قصوى في البداية لكن اعتدت عليها مع مر الأيام،فأضحيت أذرع الجبال صعودا ونزولا دون عناء يذكر،تغيرت على إثرها طريقة مشيتي،انتبهت لذلك لما عدت للمدينة، لاحظت أني لا أمشي في الشارع كبقية عباد الله ، وإنما كنت أشْتفُ بِرِجْلَيَ ، كمن يُصَبن المانطات، أرفع رجلا وأضع أخرى، مقوس الظهر ، ورأسي للأمام، كأني لازلت بالجبل ـ طالع ،نازل ـ و كنت بمشيتي تلك كمن يجتاز بركة ماء ويخاف البلل.
ولله في خلـــــــقه شـــــــــؤون.
وفي الدوار كنت أقصد المسجد، حتى قبل دخول وقت الصلاة، أصلي ما تيسر من الركعات، تحية المسجد،، صلاة الاستخارة . . .
وكنت أحاول التقرب لله بكل ما أوتيت من إيمان غير مسبوق، عل وعسى يفرج كربتي سبحانه وتعالى، ويعجل بتنقليي ويقربني من أمي وحبايبي.فإذا فرغت من الصلاة توجهت صوب "خزانة" الفقيه السي حسن، رأس مال معرفته، كالخزانات التي تجدها عادة في مكتب الطبيب، أو المحامي أو . . .، مع فارق بسيط أن الطبيب أو المحامي خصصا خزانة ورفوفا لعدد لابأس به من الكتب والمراجع المساعدة،فإن خزانة الفقيه عبارة عن كوة قرب المحراب وضعت فيها 4 كتب:
فبالإضافة إلى المصحف الكريم، كتابين للأدعية، يظهر من خلال كتابة الحروف ونوعية الورق، أن تاريخ طبعهما يتزامن ربما وتاريخ ظهور المطبعة، كنت أستغرب كيف للفقيه الاشتغال عليهما، وهو لا يحسن القراءة، يتهجى فقط.ومُنجِد أَكل عليه الدهر وشرب، مقتنى غالبا من إحدى الجوطيات، ما إن تفتحه حتى تتطاير أوراقه،التي فقدت ترتيبها داخل المجلد وثُلث أوراقه مفقودة، وبالتالي يستحيل الاستفادة منه، حتى كتب الأدعية تلك ، لا هي زجل ولا هي شعر،ولا أي خانة يمكن تصنيفها، والله لا أعرف.
ـ أخذت وعدا على نفسي أن أغني مكتبة المسجد حال عودتي للمدينة سالما، وحصولي على الرابييل
ما كان يشدني قبل حلول وقت الصلاة: هو المصحف الكريم، الفرصة مواتية لي ـ أكثر من أي وقت مضى ـ لتدبر معانيه، ربما الميزة الوحيدة التي كنت أفتقدها في المدينة
فإذا صلينا المغرب ، توسط السي حسن المحراب، وتحلق حوله تلامذته، مكاني دائما على يمينه، والشيوخ منزوون في أحدى أركان المسجد ينتظرون بفارغ الصبر حصة سماع القرآن، حينها نشرع في قراءة حزبين بصوت مرتفع، المصحف بين يدي ،قراءتنا لا تخضع لأي طريقة معينة ولا لأية ضوابط، فقط كنا نتصايح،كنت أحاول جاهدا اللحاق بالفقيه الذي كان يبلع الكلمات بلعا، لا أتبينها، دليلي هو المصحف، تختلط أحيانا الأصوات،أعلم أن الفقيه قد زاغ، لكن سرعان ما يعود ونكَمِّل الحزبين
على الأقل، في النهاية ، حصلت على حسنة تنضاف لحسناتي إن وجدت: تلاوة كتاب الله،و ما أمتــعــــــــها،
لكن حصل ما لم يكن في الحسبان، أتاني الفقيه عصر يوم للبيت،بعد أن ألقى التحية والسلام ، قال وابتسامة ماكرة على شفتيه:
ـ تَا تْجِي من العْشِية ، العْشِية، تدَّوزْ لي الإمتحان؟
ـ . . .
في الحقيقة ذُهلت ،نزل علي قول الفقيه كالصاعقة، أحسست بدوار شديد ، كنت كمن صب عليه ماء بارد،لم أعرف بماذا أجب، تلعثمت، خانتني الكلمات ،شعرت بمغص في أحشائي، طأطأت رأسي وسكتت،
عرفت ماذا يقصد الفقيه، يقصد عملية التصحيح التي كنت أقوم بها أثناء تلاوة القرآن، كان يشعر بإحراج أمام الشيوخ،
خاف أن يفقد شعبيته، وينتشر خبر أميته في الدوار،وبالتالي يفقد وظيفته كفقيه ويفقد معها الزرود،أبدا لم تشكل لي أخطاؤه عقدة أثناء القراءة ، من منطلق أن عملية حفظ القرآن واستظهاره عملية ليست سهلة، كنت أستشعر صعوبتها، كما أن النِّدِّيَة، من جانبي ، لم تكن موجودة، خصوصا مع شخص مثله،لا هو من مستواي، ولا أنا من مستواه، كنت في موقف لا يحسد عليه، حتى ذلك المسجد الذي كنت أجد فيه راحتي،ها هو الفقيه طردني منه بالفن،بعد تفكير عميق قررت أن أقاطع الصلاة في المسجد دون رجعة.
ـ لا أنسى أني بكيت ذاك المساء ،عز علي فراقه،وجدت فيه راحتي،الله ياخذ فيه الحق،
ـ في الحقيقة، الخطأ ليس خطأ الفقيه، هو في الحقيقة خطأ الدولة
التي تلقي بالأستاذ حيثما اتفق،عند اللي يسوا و اللي ما يسواش
دون اكتراث، ودون توفير الحد الأدنى لمتطلبات العيش،فالفقيه كان ينظر إلي كمتسكع، أمثالي كثيرون، قادم من المدينة،سأتقاضى مبلغ 2000 درهم، مقابل تعليم الصغار،مهمة يضطلع بها هو مقابل لا شيء،مقابل الأكل والشرب،بمبلغ 2000 درهم كان ينظر إلي على أنني من ناهبي المال العام، كل أموال الدولة تذهب لجيبي، يستكثر علي المبلغ
ـ لكن ما لم يعلمه الفقيه أني قضيت 17 سنة في فصول الدراسة، 17 سنة، على الأقل، وأنا أحك بمؤخرتي الطاولات،تمزق على إثرها عدد لايستهان به من السراويل،كما أنني طُفت عدد لا بأس به من المدارس والإعداديات والثانويات والكليات،كما أنني طُفت عدد لا بأس به من الحدائق العمومية والمكتبات للمطالعة،يصعب عليه فهم17 سنة مقابل 2000 درهم
ولكن لا حياة لمن تنادي.