أكلّ هذا المدى لي ...كل هذه المدينة المحصنة القلب لي ؟ أنا...ملكها الوحيد . ما فوق الأرض وما تحتها . منبع الأسوار كما لم يشعر ملك عليها من قبل... ومطلق الرغبات أبني وأهدم وأنقض وأعود حين أرغب إلى قصري لأنتقي من القماش الخليلة التي أريد ... الحانية الكريمة ... الشبقة الرذلة ... الواهمة المتعطلة ... الجاهلة الغانية ...اللطيفة العادية ...الشاردة اللاهية عنّي ...
كل هذا الكون لي يا أبي كنت أقول بصوت مسموع وأنا أرفع صوتي بالغناء ، تاركا لساقي أن تركضا في أي اتجاه تريدان .
ذلك أني مع شقباني وعصاي الغليظة عرفت أني بت كالأنبياء أسير حيث أريد وأرغب ، للهوي واكتشافاتي وحكمة الأيام والليالي التي أستخلصها من دون خوف ، بعد أن استتب لي الملك على هذه البقاع ... لفترة طويلة .
فبعد أن مكثت أياما في شرنقة من الكتان أشرب نقوع الخاتمية والقصعين برئت من الحمى التي أصابتني ، وقررت ذات صباح أن أعود إلى أزقة الأسواق الصغيرة الموازية لساحة الشهداء . قلت لنفسي إني لن أتوه هذه المرة إذ سأجعل علامات حيث أمر وسأطلق أسماء جديدة على الأزقة أو الأسواق التي لن أتعرف إليها . سأقيم في رأسي خارطة جديدة للأماكن التي تبدلت كثيرا وفقدت معالمها الأولى .
هدى بركات..من رواية: حارث المياه.