أخلاقه وأعماله
أولاً : أخلاقه:
كان الشيخ على قدر عظيم من حسن الخلق، حتى أصبح من سجيته يتعامل به دون أي تكلف أو تصنع، فأخلاقه ربانية لا تهدف إلى مقاصد مادية بل هي موافقة للشرع المطهر، اتخذ من محمد صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة تمثلت في تطبيقه للسنة النبوية علماً وعملاً، فقد تميز رحمه الله برحابة الصدر وسعة البال، فكان يستقبل الناس صغيرهم وكبيرهم ، جاهلهم وعالمهم، حاكمهم ومحكومهم، بتواضع جم وأدب رفيع، فهو لا يغضب عند كثرة الأسئلة أو الاستفسارات ويتعامل مع الضعفاء والجهال بكل حلم، كما أنه يصبر على الزحام وعلى مضايقات بعض النفوس الضعيفة وعلى كثرة إلحاحهم، لأنه يحمل قلباً رحيماً عطوفاً على الجميع، لا فظاً ولا غليظاً، هين لين ، خالق الناس بخلق حسن فالخلق صورة الإنسان الباطنية، وهو أساس الفضائل وينبوع المكارم وعين الكمال، ضبط الشيخ أخلاقه بضابط الشرع، ووزنها بميزان الدين.
ومن أشهر مزاياه الأخلاقية: إحسانه إلى الناس، وبذل المعروف، والصدق والوضوح، والصراحة مهما كان الأمر، وقد اشتهر بالأمانة على دين الله، فإذا قال ابن باز قولاً اطمأنت النفوس وهدأت الجوانح إلى قوله، واشتهر بالأمانة على أموال الناس فكانت تدفع له الصدقات والتبرعات وغيرها ليصرفها لمستحقيها ، وما ذلك إلا لثقتهم به، واشتهر أيضاً بالحلم فقد كان حليماً صابراً متجلداً، يحبس نفسه ويكظم غيظه، ويضبط حنقه بالذكر والدعاء حتى ينطفى ما وقع له.
وبالجملة فقد كان رحمه الله حريصا على السنة ملازماً للأدب، رحب الصدر، طويل الحلم، أريحي النفس، حسن الظن عظيم الرجاء واسع الفأل متوكلاً على الله، مجتهداً في الأسباب، غيوراً على الحرمات رحيماً بالناس رفيقاً بهم، لطيفاً معهم، عطوفاً عليهم، راغباً في قضاء حوائجهم، ناصحاً لهم مكرماً إياهم، محسناً إليهم، حريصاً على هدايتهم مشتغلاً بنفعهم، فهو أنفع الناس للناس.
فهذه الأخلاق التي تجلت في شخص ابن باز مدارها على القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، حيث نشأ عليها متعلماً وعاملاً معلماً، فسارت في حياته كما يسير الدم في جسمه، وكيف لا! وسميره كتاب الله، ومبيته مناجاة لله، ونهاره دعوة إلى الله، فرحمه الله رحمة واسعة.
ثانياً: أعماله:
كان للشيخ إسهامات عظيمة في كل أعماله التي تولاها، وبصمات واضحة منذ توليه القضاء حتى الإفتاء، وقد تدرجت مسيرته مع العلم والعطاء خلال عدة محطات رئيسة، قدم فيها القدوة والمثال، واكتسب كثيراً من الخبرات التي أضافت لشخصيته أبعاداً أكثر شمولية، فأول عمل تولاه:
1. القضاء في الدلم عام 1357هـ في جمادى الآخرة واستمر فيه حتى عام 1371هـ وكان طيلة تلك المدة بالإضافة إلى القضاء يقوم بإمامة الناس والإصلاح بينهم وتفقد أحوالهم
وتدريس الطلبة، فتخرج على يديه الكثير من طلبة العلم الذين تبوأوا مناصب مهمة بعد ذلك.
2. بعد افتتاح المعاهد العلمية بالرياض، انتقل للعمل مدرساً فيها وذلك عام 1372هـ ولمدة سنة واحدة، وبعدها انتقل للتدريس في كلية الشريعة في الرياض عام 1373هـ ليمضي بها
سبع سنوات، وكان في تلك الفترة يؤم المصلين في جامع الإمام تركي بن عبدالله، ويقوم بإلقاء الدروس في المسجد وفي بيته، ويلقي المحاضرات والكلمات المتنوعة في المناسبات
وغيرها.
3.وفي عام 1381هـ انتقل إلى المدينة النبوية عند افتتاح الجامع الإسلامية وذلك بأمر من شيخه محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية آنذاك، ليكون نائباً له في إدارة الجامعة، ثم
تولى إدارة الجامعة نفسها في عام 1390هـ بعد وفاة رئيسها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله حتى عام 1395هـ وكان خلال وجوده بالمدينة النبوية يلقي الدروس في
المسجد النبوي بالإضافة إلى المحاضرات والكلمات والندوات، ويشارك في الكتابة من خلال الصحف المجلات .
4.وفي عام 1395هـ في شوال صدر الأمر الملكي بتعينه رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير، فرجع إلى الرياض وتولى إمامة جامع الإمام تركي، وكان في
الوقت نفسه رئيساً للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ومجلس المجمع الفقهي، والمجلس الأعلى العالمي للمساجد.
5. وفي عام 1413هـ صدر الأمر السامي بتعينه مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية، ورئيساً لهيئة كبار العلماء، ورئيساً للجنة الدائمة للبحوث العلمية ورئيساً لرابطة العالم
الإسلامي،
بالإضافة إلى ترؤسه لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة.
أما العضويات التي شارك فيها فمنها:
- عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ورئاستها حال غياب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية.
- عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية.
- عضوية المجلس الاستشاري للندوة العالمية للشباب الإسلامي .
- عضوية الصندوق الدائم للتنمية الشبابية.
هذه بعض أعماله الرسمية، أما أعماله الخيرية التطوعية فله جهود دعوية كثيرة لجميع المؤسسات والمراكز الإسلامية المنتشرة في كافة أنحاء العالم، كما أن له دعمه الملموس
لل**** الإسلامي، واهتمامات بجمعيات تحفيظ القرآن الكريم الخيرية ودعم الدعاة ومساعدتهم وكفالتهم، كما أن له اهتماماً بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمساهمة في
بناء المساجد وغير ذلك، وسيأتي مزيد تفصيل ذلك في بيان جهوده الدعوية .
كما تولى رحمه الله رئاسة العديد من المؤتمرات العالمية التي عقدت بالمملكة العربية السعودية، والتي مهدت له ويسرت أمامه سبل الاتصال بالكثير من الدعاة ورجال العلم، وزعماء
التجمعات الإسلامية، والشخصيات البارزة في حقل الدعوة الإسلامية, ومعرفة قضايا المسلمين في كل أنحاء العالم.
من طبيعة الشيخ رحمه الله أنه كان جلداً صبوراً لا يشتكي ولا يتأوه مع ما مر به من أمراض شديدة في أوقات مراحل عمره، ومع ذلك لم تثنيه عما هو فيه من الجد والاجتهاد ومن الدعوة إلى الله والمثابرة على ذلك حتى إنه في مرضه الشديد أنجز كثيراً من الأعمال الموكلة به.
فمرض وفاته رحمه الله بدأ منذ عام 1419ـ في شهر رمضان حيث كان يشعر بألم في البطن، فاشتد به المرض، فشكلت لجنة طبية بأمر خادم الحرمين الشريفين للنظر في حالته، وعرض عليه السفر للعلاج في الخارج فرفض فأحضر له أطباء من أمريكا وبلجيكا، فلما حضروا أوصوا بكي المري، فخف الألم قليلاً، ثم عاوده بعد شهرين وهو في الرياض، فدخل المستشفى ثم خرج منه بعد فترة لاستقرار حالته، ثم أصبحت حالته تتدنى حتى شهر ذي القعدة فنصحه الأطباء بالبقاء في المستشفى ولكن كان قلبه معلقاً بالحج.
وبعد إلحاح شديد من ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ترك الحج ووكل نائبه الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ ليقوم مقامه بالحج، ثم قام في تاريخ 22/12/1419هـ بأداء العمرة وبقي في مكة حتى نهاية ذي الحجة، ثم انتقل إلى مقره الصيفي بالطائف، فبدأت صحته بالتدني، ومع ذلك كانت همته وعزيمته ونشاطه وعمله، ومزاجه وتفكيره، وذاكرته ودروسه ومواعظه على ما هي عليه قبل مرضه، وفي يوم الخميس 20/1/1420هـ أشتد به المرض فنقل إلى المستشفى العسكري بالهداء في محافظة الطائف، ومع هذا كانت المعاملات تقرأ عليه والمستفتون والزوار يتوافدون عليه من كل مكان، وهو يستقبلهم بتهلل وفرح وسعة بال، واستمر على هذه الحال إلى يوم الثلاثاء 25/1/1420هـ فخرج من المستشفى فاستقبل الناس في بيته وجلس لهم بعد المغرب ليلة وفاته فقرئت عليه المعاملات، ورد على الفتاوى المباشرة والهاتفية وقبل الفجر من يوم الخميس الموافق 22/1/1420هـ يقول ابنه أحمد: صلي الشيخ ما شاء أن يصلي في تلك الليلة، فاضطجع ونام، وبعد ساعة جلس في فراشه، فالتفت يميناً وشمالاً؛ فتبسم ثم اضطجع، وبعد ذلك ارتفعت نفسه وحشرجت، فنقلناه إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف وهو يردد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ثانياً: وفاته:
وفي صباح الخميس الموافق 27/1/1420هـ لفظ أنفاسه وهو في طريقه إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف، ثم نقل إلى ثلاجة القوات المسلحة في الهداء حتى جاء وقت تغسيله وذلك في صباح يوم الجمعة، فنقل جثمانه إلى منزله بمكة المكرمة فغسل، وصلى عليه أهل بيته يتقدمهم فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتى عام المملكة العربية السعودية، ثم صلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة وذلك بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود .
وقد أعلن الديوان الملكي خبر وفاته يوم الخميس الذي مات فيه ومكان الصلاة عليه ووقتها، مع أمر جميع المسلمين في مساجد المملكة بإقامة صلاة الغائب علي الشيخ يوم الجمعة الموافق 28/1/1420هـ فتوافدت الجموع الحاشدة إلى مكة المكرمة لحضور الصلاة عليه، يتقدمهم ملك المملكة العربية السعودية الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، والنائب الثاني الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ووزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز، وأمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبدالعزيز، وجمع كبير من الأمراء والوزراء وأصحاب الفضيلة المشايخ وكبار المسئولين في الدولة، مع أعداد غفيرة من المواطنين والمحبين للشيخ وكل هذه الجموع حضرت لأن المصاب عظيم والفاجعة بموته كبيرة، والرزية به عظيمة، وأم المصلين إمام المسجد الحرام فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله السبيل، حيث تحدث في خطبته عن فضل العلم والعلماء وذكر بعض مآثر الفقيد، وعزى الأمة به، وصبر الناس، وبعد صلاة الجمعة قدمت الجنازة فعلا النحيب والبكاء والدعاء للشيخ، فما كادت الجنازة تصل إلى المكان الذي هو أقرب للإمام إلا بشق الأنفس لكثرة الزحام ولقد شهدها آلاف مؤلفة من المسلمين حيث سارت في موكب مهيب وسط الجموع الغفيرة إلى مقبرة العدل بمكة المكرمة يتقدمهم فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وكان ذلك اليوم يوماُ مشهوداً للجميع فرحم الله الشيخ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعله في الفردوس الأعلى، وحشره في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين .
رُثي الشيخ بمراثي كثيرة شعراً ونثراً، وامتلأت الصحف والمجلات والدوريات والوسائل السمعية والبصرية بذلك، كما رثي من فوق منابر الجوامع في أغلب خطب الجمعية وكذلك في الندوات والمحاضرات والأمسيات الأدبية وغيرها.
وهذه علامة واضحة على مكانة الشيخ العظيمة في النفوس والتي غرسها بالحب والإخلاص، والتواضع ولين الجانب، فقد تأثر بفقده الصديق والمخالف والقريب والبعيد، والصغير والكبير، فكتب الكثير منهم عن الشيخ وفاءً لحقه ونشراً لفضله وذكرا لمحاسنه، وترحماً عليه فأول من رثي سماحته رحمه الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية وذلك عند ترؤسه مجلس الوزراء، حيث عبر عن عميق حزنه وألمه لوفاته خسارة فادحة للأمة الإسلامية التي طالما استفادت بعلمه وحكمته .
فأرسل خطاب تعزية لأبناء الشيخ قال فيه: لقد فقدنا بوفاة والدكم إنساناً من أعز الناس بالنسبة لنا ومن أصدق الناس معنا، ومن أحرص الناس على نصحنا والدعوة إلى الخير والنصح للناس وتوجيههم ... ألخ .
وممن رثى الشيخ رحمه الله أغلب أفراد الأسرة المالكة، ورؤساء الجمعيات الإسلامية في كل من إستراليا ونيوزلندا وأمريكا وغيرها من بلدان العالم، وأغلب أصحاب الفضيلة العلماء والوزراء والدعاة، والأُدباء والسفراء ومدراء الجامعات والأكاديميون والمحبون له.
وهذه بعض النماذج لما قيل في رثاء الشيخ:
قال صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء ورئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء:
" لقد رزئت أُمة الإسلام في أنحاء الدنيا بخطب فادح ومصاب جلل نقصت به الأرض من أطرافها، وثُلم به جدار الدين والملة .. ذلكم هو فراق إمام أهل السنة والجماعة، وحيد عصره، وعلاّمة زمانه سماحة الوالد الشيخ: عبدالعزيز بن باز، عالم الأمة وداعية العصر، فلن تنساه الأجيال على تعاقبها، وسيظل بإذن الله حياً بعلمه وعمله و****ه ودعوته" .
وقال مفتي عام المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشخ في رثاء الشيخ:
"على المسلمين جميعاً الرضاء بقضاء الله والدعاء لفقيدهم بالمغفرة والرحمة فلا شك أن المصاب عظيم، لكن نرجو من الله أن يعوض المسلمين خيراً"
وقال الشيخ الدكتور عبدالله التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي:
" من فضل الله عز وجل أنه قد وهب سماحة والدنا وشيخنا العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز من الصفات الحسنة والخلال الحميدة والشمائل الكريمة الشئ الكثير فهو ـ رحمه الله ــ كان في مقدمة علماء الشريعة في المملكة العربية السعودية، بل وعلى مستوى العالم ... وقد بارك الله في علمه، فانتفع به خلق كثبر، كما بارك الله في وقته وجهوده وجميع أموره، جزاه الله كل خير عنا وعن الإسلام والمسلمين".