 |
:: دفاتري متميز ::
تاريخ التسجيل: 11 - 1 - 2009
المشاركات: 294
معدل تقييم المستوى:
242
|
|
نشاط [ Tajdadi ]
قوة السمعة:242
|
|
01-06-2009, 11:41
المشاركة 1
|
|
من يملك الحقيقة ؟
بقلم : عبد المجيد التجدادي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحكى أنه في سالف الأزمان ، حيث كان الناس غير ما هم الآن ، كان هناك قوم جهلة يسجدون للأوثان ، الحلال و الحرام عندهم سيان ، و يعيثون في الأرض فسادا بلا حسبان ، حتى عمّ شرهم البشر و الشجر و الحيوان ، و كأنهم حبسوا أنفسهم على الظلم و الطغيان .
و كان فيهم رجل صالح يُسدي فيهم النصح لكل إنسان ، لا يكلّ و لا يملّ عن الدعوة إلى الخير و الصّدِّ عن الشر فيهم في كل آن ، يدعو قوم الفساد إلى التوبة و الصلاح علّهم يفوزوا بالجنان ، و يحذرهم من مغبة الإصرار على الشر علّهم ينجوا من النيران .
... و هكذا مكث الصالح منارا للنجاة في قومه عدة سنين ، و هذا لعمري هو دأب كل المرسلين ، و كذلك من تبعهم من الصالحين إلى يوم الدين ...
... و كذلك قيل بأن حِلم الصالحين يزيد بقدر ما يزيد جهل الجاهلين ، شعارهم الصبر على الأذى و الدعاء للقوم بالهداية بقلب سليم ، بكيد الأعداء و مكرهم هم غير آبهين ، متيقنين أن عند الله مكرهم و الله هو خير الماكرين ..؛ و احفظ الله يحفظك فإنه خير الحافظين .
و لكن كلمة الله تعالى سبقت في العالمين ، أنْ لو أراد ربك لهدى الناس أجمعين ..؛ فقد رأى الصالح أن قومه غير مُبالين ، هم لكلمة الحق أشد الكارهين و لكلمة الشر أشد المحبين ، و الأبناء منهم و الحفدة لآبائهم خير الوارثين ، كأنك ربي طبعت على قلوبهم فقد عميت بصيرتهم إلى يوم الدين .
رفع الصالح أكف الضراعة إلى الله رب العالمين : رب إن القوم كذبوا مقالتي و هم لها أشد المنكرين ، رب كافئهم بما هم أهل له إنهم من الظالمين ، عذبهم إن شئت أو ارحمهم فإنك أرحم الراحمين ، رب و احفظ من اتبع سبيلك من المؤمنين ، رب و لا تخزنا يوم الدين ، يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
أصبح القوم يومًا ..، فساء صباح المنذرين ، أصبحوا على غير ما افترقوا عليه إلى أسِرَّتِهم نائمين ، أصبحوا بذيول تتدلى من أعجازهم فهم من المقبوحين ، كتب الله عليهم العقاب فجعلهم من الممسوخين ، و كذلك يفعل ربك بالقوم المجرمين .
و نجا الصالح بصلاحه من هذا الخِزي المهين ، و كذلك أبناؤه و حفدته ببركة صلاحه و ما أجهد نفسه فيهم بالتربية و التعليم ؛ فبقيت صورهم جميلة من المسخ محفوظين ، و كذلك عندما يحفظ ربك عباده المؤمنين .
ألِف القوم ما أصبحت عليه أجسادهم القبيحة ، و أصبح للجمال عندهم المقاييس الحديثة الصحيحة : السوي عندنا من له ذيل يتدلى ، و من شذ عن ذلك فقد زاغ و تولى .
فكذلك أصبح أبناء الصالح أغرابا في البلدة ، صورهم الآدمية خالفت في القوم السُّنة . يقولون عنهم مستهزئين ساخرين : ويحهم !.. ما أقبح صورهم !.. ألا يرون أنهم علينا معرة و مذلة ؟!..
و استمر الحال في عين القوم على هذه الشاكلة ؛ صورة المسخ أجمل مزية ، و صورة الآدمي أقبح رزية . فاستحكمت العادة الجديدة و أصبحت هي القاعدة الحقيقية . و هكذا عاش أبناء الصالح بصلاحهم و جمالهم وسط القوم في شقاوة ، الحرب عليهم قائمة لا تهدأ أبدا حكموا عليهم بالعداوة ، و القوم بفسادهم و قبحهم في سعادة ، يتيهون في الناس بذيولهم في أنفة و عجرفة .
فسبحان الله ... من يملك حقيقة الجمال ؟ الرجل الصالح أم قومه الفجار ؟..
... و يا أيها العقلاء النبهاء !.. بالله عليكم أفتوني : أي الفريقين يحمل حقيقة الجمال ؟
... أو أفتوني : من يملك الحقيقة ؟ ألوط الذي دعى إلى الطهر و الحفاظ على الفطرة أم قومه الذين عيروه بالطهر و خالفوا في الناس الفطرة ؟
... بل أفتوني : إلى ما نحتكم لمعرفة المقاييس الحقيقية ؟ ألكِتاب الحق أم للعادة الجارية ؟
ورزازات في 10 يوليوز 2008
و قد نشرت بجريدة المحجة المغربية ( العدد 308 ـ سنة 2008 ) .
|