منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - التفاتة
الموضوع: التفاتة
عرض مشاركة واحدة

نورالدين فاهي
:: دفاتري فعال ::


تاريخ التسجيل: 30 - 3 - 2009
السكن: ابن أحمد - المغرب
المشاركات: 276

نورالدين فاهي غير متواجد حالياً

نشاط [ نورالدين فاهي ]
معدل تقييم المستوى: 238
افتراضي
قديم 12-06-2009, 14:32 المشاركة 7   

ومضة جميلة وتحتمل أكثر من دلالة ..
البطل ذاهب إلى حال سبيله ، وكلب أجرب من كلاب السوق يتعقبه .. يلتفت البطل بدافع الفضول إلى الكلب ، فيتبين له كلبا أجرب .. عندها أشفق عليه واحتقره وتابع سيره..
المحكي في النص هو إشفاق البطل على الكلب واحتقاره له ولامبالاته بوجوده .. وهو متخيل يتكئ على المألوف المعيش ، خدمة لمقصدية معينة قد تتبدى من خلل معطيات التحليل . وتربطه بالسارد الرؤية من الخلف .. يتوسل بالنمط السردي المتعاقب، ويعتمد الخطاطة السردية التالية :
- وضعية البداية : سير البطل بكل اطمئنان ،
- العنصر المخل : انتباهه لوجود كلب يتعقبه ،
- وضعية الوسط : خوف البطل من الكلب ورغبته في التأكد من مبررات خوفه ،
- عنصر الانفراج : التفات البطل للتعرف على الكلب ،
- وضعية النهاية : اكتشاف البطل لوهمه الذي حاول أن يغطي عليه بالشفقة من الكلب والانتقام منه باحتقاره ..
بإمكاننا الآن أن نقسم المحكي إلى ماض وحاضر : الماضي يضم المحطات الثلاث الأولى ، والحاضر يضم المحطتين الأخيرتين .
والملاحظ أن تعاقبية الزمن لم تسمح للسارد باسترجاع ماضي الحكاية ، تمهيدا لوضع البطل في الأزمة..
ومكان الحدث هو الفضاء الواسع كما هو شأن زمانه .. لكن الزمن في النص زمنان : زمن الحكاية وهو مفتوح نظرا لغياب إشارة دالة تسهل وضع اليد عليه ، إذ كل ما نعرفه عنه هو أنه زمن تعقب الكلب الأجرب للبطل . وزمن القول ، وهو مفتوح أيضا ومن زمنين .. الأول فيزيائي موسوم بالتتابع والخطية ويستغرق التعقب والالتفات والاحتقار ومتابعة السير . والثاني نفسي يكشف عن مدى تمكن الخوف من البطل الذي لم يلتفت بدافع الفضول وإنما بدافع الخوف ..لكن الخوف سرعان ما يتحول اطمئنانا ينتج عنه فعل الشفقة والاحتقار..
الزمن النفسي يكشف عن تيمة الخوف المتحكمة في البطل ،حتى وإن انقلب اطمئنانا ..
وزمن القول في بعده الفيزيائي يتطابق مع الزمن المفترض للحكاية ..كلاهما يتجه من اليمين إلى اليسار..
القوى الفاعلة في النص ثلاث :
البطل، وهو شخصية آدمية ومحور الحكي .. متقلبة بين الخوف وبين سكينة النفس بعد خوف . ولذلك فهو بطل سلبي : يخاف .. وحين يتأكد من وهم خوفه ، يمارس عنفه على الكلب .
الكلب، وهو شخصية حيوانية لم تسند إليها أية صفة توحي بتقمصها لفعل إنساني ، بينما تلصق به صفة الجرب إمعانا في احتقارها .. وصفة الجرب ما كانت لتلتصق به لو لم يكن متواجدا في مكان خوف البطل ..
ثم الخوف، وهو قوة فاعلة نفسية تشكل منطلقا لأي تأويل في حال تجاوز الدلالة السطحية للنص ..
الخوف يتملك البطل بسبب وجود كلب وحين يطمئن إلى كونه أجرب يحتقره .. الذنب ذنب من ؟ أهو ذنب الكلب الذي ساقه قدره إلى مكان تواجد البطل، أم الذنب ذنب البطل نفسه الذي يسيطر عليه الوهم فيخشى من وجود أية حركة في محيط تواجده ؟
النص قصة قصيرة جدا تراهن على إبراز وجود عينة من الناس تؤرق الفرد ، فقط ، بسبب وجودها .. وهو يخلو من أي رهان فني إذا استثنينا نسفه للمحطات التقليدية في الخطاطة السردية وتركيزه على الجانب النفسي للبطل، كما أن لغته بسيطة خالية من الكثافة والتركيز مما يعدمها القدرة على الإيحاء ..
لكن الملاحظ هو التوتر الحاصل بين النص كمكتوب منجز وبين موقف الكاتب من مثل هذه النصوص .. وهذا التوتر يجعلنا نعيد بناء تصور عن مقصديته ..
ربما - وهذا جد مستبعد - أن الكاتب أعاد النظر في موقفه من الومضة و/ أو الشذرة وعاد ليحتضنهما .. وربما - وهذا جد محتمل - أن تبنيه لشكل تعبيري يرفضه سخرية منه وممن يتبناه ..
إن كان في الحالة الأولى فلا يضير الكاتب شيء إذا راجع مواقفه .. وإن كان في الحالة الثانية فالنص يسعى إلى أسر نفسه في دائرة ضيقة ..


التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين فاهي ; 14-06-2009 الساعة 00:20