إن من أعظم المسائل المحيرة في الإسلام موقفه من الموسيقى. و قد تناقش الفقهاء و العلماء قرونا حول نظرة الإسلام إلى الموسيقى، فمنهم من دلل على أن الإسلام حرمها، و منهم من أثبت بالحجة و البرهان أن الإسلام شرعها و حلل ممارستها. و لا يسمح المقام هنا بذكر الأسماء و الحجج التي اعتمد عليها كل فريق ...لكن من المسلم به هو عدم وجود أية آية تحرم الموسيقى في القرآن الكريم . لذلك فإن معظم الحجج و البراهين في تحليل الموسيقى أو تحريمها استند إلى الحديث...و تطلق كلمة حديث على أقوال محمد صلى الله عليه و سلم ...هناك الحديث المقبول و المعمول به و الحديث الذي به بعض الصدق و الحديث المنكر .
من الأحاديث التي تحرم الموسيقى : روت عائشة زوج النبي محمد عليه الصلاة و السلام : " إن الله حرم القينة (أي الجارية ) و بيعها و ثمنها و تعليمها " . و يقول الغزالي : إن هذا الحديث يشير إلى قيان الحانات وحدهن ..
و يروي صحيح الترمذي المتوفى عام 892م أن النبي صلى الله عليه و سلم لعن الغناء و المغنين ، وإن كان يشك في صحة هذا الحديث . و يقال في حديث آخر أن القيان و المعازف من علامات نهاية العالم ...
من الأحاديث التي تبيح الغناء : هناك روايتان نسبتا إلى محمد عليه الصلاة و السلام الأقوال التالية : "ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت" و" الله أشد أذنا للرجل حسن الصوت من صاحب القينة لقينته" " . و عن ابن مالك المتوفى عام 715م : "أن محمدا صلى الله عليه و سلم كان يحدى له في السفر".. و الحداء ما هو إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة و ألحان موزونة .
وأما القيان اللواتي حرمهن حديث سابق فيبدو أنه يوجد دليل قوي قاطع على إباحة النبي لهن . روي عن عائشة روايتان مهمتان في هذا الصدد . تقول الرواية الأولى : إن أبا بكر دخل على عائشة و عندها جاريتان تدففان و تضربان و النبي عليه السلام متغش بثوبه فأنهرهما أبو بكر فكشف النبي عن وجهه و قال :"دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد". تقول الثانية : كانت جارية تغني عندي (المتحدث عائشة) فاستأذن عمر ، فلما سمعته الجارية هربت ، فدخل النبي عليه الصلاة و السلام يبتسم ، فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله كأنه يسأله عن سبب ضحكه فقال: كانت جارية تغني فلما سمعت خطواتك هربت . فقال عمر: لن أرحل حتى أسمع ما سمع رسول الله. فاستدعى الرسول الجارية فأخذت تغني و هو يسمعها.
خلاصة : لا نستطيع أن نعطي رأيا واحدا عن موقف الإسلام من الموسيقى . لكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن الإسلام في أول ظهوره وجد الغناء يؤدى في مجالس اللهو و الشراب حيث الجواري والعبث و المجون ، لذا لم يكن من السهل على الدين الجديد أن ينظر نظرة اطمئنان إلى الغناء بالصورة الماجنة التي كان عليها ، لذا انتقلت الموسيقى خلال هذه الفترة إلى مرحلة جديدة حيث تأثرت إلى حد كبير بالتعاليم الجديدة التي جاء بها الإسلام . و ربما كان أداء الآذان للصلاة ، بطريقة هي أقرب إلى الغناء منها إلى الإلقاء ، هو مظهر بارز من مظاهر هذا الانتقال...
منقول بتصرف عن : يا بيروت