العزلة راحة من هم الناس!!
قال ابن الجوزي/صيد الخاطر:
ولا تحسن اليوم المجالسة إلا لكتاب يحدثك عن أسرار السلف، فأما مجالسة العلماء، فمخاطرة، إذ لا يجتمعون على ذكر الآخرة في الأغلب، ومجالسة العوام فتنة للدين؛ إلا أن يحترز في مجالسهم، ويمنعهم من القول، فيقول هو، ويكلفهم السماع، ثم يستوفز للبعد عنهم.
لمن تصلح العزلة؟ ( مختصر منهاج القاصدين)
قال الربيع بن خثيم : تفقه ثم اعتزل، والعلم أصل الدين، ولا خير في عزلة العوام .
سئل بعض العلماء : ما تقول في عزلة الجاهل ؟
فقال : خبال ووبال،
فقيل له : فالعالم ؟
فقال : مالك ولها، دعها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها
فوائد العزلة: ( مختصر منهاج القاصدين)
الفائدة الأولى : الفراغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه، فإن ذلك يستدعى فراغاً، لا فراغ مع المخالطة ، فالعزلة وسيلة إلى ذلك خصوصاً في البداية . قيل لبعض الحكماء : إلى أي شئ أفضى بهم الزهد والخلوة ؟ قال : إلى الأنس بالله . وقال أويس القرني رضى الله عنه : ما كنت أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره .
واعلم : أن من تيسر له بدوام الذكر الأنس بالله، أو بدوام الفكر تحقيق معرفة الله، فالتجرد لذلك أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة .
الفائدة الثانية : التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض لها الإنسان غالباً بالمخالطة، وهى أربعة :
أحدهما : الغيبة، فإن عادة الناس التمضمض بالأعراض والتفكه بها، فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى، وإن سكت كنت شريكاً، فإن المستمع أحد المغتابين، وإن أنكرت أبغضوك واغتابوك فازدادوا غيبة إلى الغيبة، وربما خرجوا إلى الشتم .
الثانية : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من خالط الناس لم يخل عن مشاهدة المنكرات، فإن سكت عصى الله، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر، في العزلة سلامة من هذا .
الثالثة : الرياء، وهو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه، وأول ما في مخالطة الناس إظهار التشوق إليهم، ولا يخلو ذلك عن الكذب، إما في الأصل، وإما في الزيادة، وقد كان السلف يحترزون في جواب قول القائل : كيف أصبحت، وكيف أمسيت ؟ كما قال بعضهم وقد قيل له : كيف أصبحت ؟
قال : أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا .
الرابعة : مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلاً عن الغافلين، وذلك أنه قل أن يجالس الإنسان فاسقاً مدة، مع كونه منكراً عليه في باطنه، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقاً في النفور عن الفساد، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هيناً على الطبع، ويسقط وقعه واستعظامه، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره، احتقر الصغائر من نفسه، كما أن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف في الزهد والتعبد، احتقر نفسه، واستصغر عبادته، فيكون ذلك داعية إلى الاجتهاد، وبهذه الدقيقة يعرف سر قول القائل : عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة .
ومما يدل على سقوط وقع الشيء بسبب تكرره ومشاهدته، أن أكثر الناس إذا رأوا مسلماً قد أفطر في رمضان، استعظموا ذلك، حتى يكاد يفضي إلى اعتقادهم فيه الكفر، وقد يشاهدون من يؤخر الصلاة عن أوقاتها، فلا ينفرون عنه نفورهم عن تأخير الصوم، مع أن ترك صلاة واحدة تخرج إلى الكفر، ولا سبب لذلك إلا أن الصلاة تتكرر،والتساهل فيها يكثر
==========================================
ابن الجوزي/ صيد الخاطر:
من رزقه الله تعالى العلم والنظر في سير السلف، رأى أن هذا العالم ظلمه، وجمهورهم على غير الجادة، والمخالطة لهم تضر ولا تنفع! فالعجب لمن يترخص في المخالطة، وهو يعلم أن الطبع لص يسرق من المخالط!
وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل، ليستفاد منه، فأما مخالطة الدون، فإنها تؤذي؛ إلا أن يكون عاميًّا يقبل من معلمه، فينبغي أن يخالط بالاحتراز.
وفي هذا الزمان: إن وقعت المخالطة للعوام، فهم ظلمة مستحكمة؛ فإذا ابتلي العالم بمخالطتهم، فليشمر ثياب الحذر، ولتكن مجالسته إياهم للتذكرة والتأديب فحسب.
وإن وقعت المخالطة للعلماء، فأكثرهم على غير الجادة، مقصودهم صورة العلم لا العمل به، فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة؛ إنما شغلهم الغيبة، وقصد الغلبة، واجتلاب الدنيا، ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف!
وإن وقعت المخالطة للأمراء، فذاك تعرض لفساد الدين؛ لأنه إن تولى لهم ولاية دنيوية، فالظلم من ضروراتها، لغلبة العادة عليهم، والإعراض عن الشرع. وإن كانت ولاية دينية، كالقضاء؛ فإنهم يأمرونه بأشياء لا يكاد يمكنه المراجعة فيها، ولو راجع، لم يقبلوا، وأكثر القوم يخاف على منصبه، فيفعل ما أمر به، وإن لم يجز.
وربما رأيت في هذا الزمان أقوامًا يبذلون المال ليكونوا قضاة أو شهودًا، ومقصودهم الرفعة، ثم أكثر الشهود يشهد على من لا يعرفه، ويقول: إنه معروف! ويدري أنه كذاب! وإنما عرف لأجل حبة يعطاها.
وكم قد وقعت شهادة على غير المشهود عليه وعلى مكره!
وإن وقعت المخالطة للمتزهدين، فأكثرهم على غير الجادة، وعلى خلاف العلم، قد جعلوا لأنفهسم نواميس، فلا يتنسمون، ولا يخرجون إلى سوق، ويظهرون التخشع الزائد، وكله نفاق، وفيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه، وربما لوح بكمه ليرى!
فمن رزقه الله سبحانه النظر في سير السلف، ووفقه للاقتداء بهم: آثر أن يعتزل عن أكثر الخلق، ولا يخالطهم، فإنه من خالطهم، أوذي، ومن دارى، لم يسلم من المداهنة، فالنصح اليوم مردود.
===================================
ابن حزم/ السير و الأخلاق
من جالس الناس لم يعدم هما يؤلم نفسه وإثما يندم عليه في معاده وغيظا ينضج كبده وذلا ينكس همته فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها
لو لم يكن في مجالسة الناس إلا عيبان لكفيا:
أحدهما الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح
والثاني مواقعة الغلبة المهلكة في الأخرة
فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالانفراد عن المجالسة جملة