إنّ البيئة والمحيط الذي يعيش فيهما الطفل لهما تأثير عميق وفعّال في حياته وتكوّن شخصيّته ، فالإنسان منذ نعومة أظفاره يتأثّر وينفعل بما يجري حوله من ممارسات ، فهو يكتسب مزاجه وأخلاقه وممارساته وطرز تفكيره من ذلك المحيط أو تلك البيئة .
وقد تبيّن أنّ للوالدين ولسلوك العائلة ووضعية الطفل فيها ، دوراً كبيراً في تحديد شخصيّته وصقلها وبلورتها وتحديد معالمها ، كما أنّ للمعلّم أيضاً وكذا الأصدقاء ، والمجتمع ووسائله الفكرية والإعلامية ، وعاداته وأسلوب حياته ؛ أثر مباشر كبير على سلوك الطفل وكيفية تفكيره ، إلاّ أنّنا نلاحظ ـ انطلاقاً من فلسفة الإسلام العامّة ، والتربوية خاصّة ـ أنْ ليس لعالم الطفل الخارجي بمختلف مصادره ، ومع شدّة تأثيره ؛ القدرة كلّياً وبصورة قاطعة وإلى الأبد في تحديد معالم شخصية الإنسان ، ويؤطّر مواقفه ، بل للإرادة الذاتية القوية دور فعّال وبنّاء في تحديد سلوكه ومعتقده وممارساته ؛ لأنّ الإنسان في ظلّ التعاليم الإسلامية الحقّة ، ومعرفته لما فيه الخير والصلاح والسعادة له ولغيره ، يعمل به ، ومعرفته لما فيه الشرّ والفساد والشقاء له ولغيره ، يتجنّبه لو أنّه اعتقد والتزم بتعاليم الشريعة الإسلامية الخالدة ، وعمل بعمل المعروف وانتهى عن فعل المنكر .
من هنا جاء التأكيد في التربية الإسلامية على القيم والأخلاق والمبادئ ، كحقائق مستقلّة متعالية على تأثيرات الواقع ؛ ليسلم هو بذلك ، وليسلم المجتمع الذي يعيش فيه من انحرافاته وآثاره السلبية .
لذا ، صار الاهتمام بتقويم الإرادة لدى الفرد بالغ الأهمّية ؛ لما للإرادة من دور عظيم في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم ، فبالإرادة الذاتية المحصّنة من تأثيرات المحيط ، والثابتة على القيم والمبادئ السامية على واقع العالم المحيط بالإنسان ؛ ظهر القادة والمفكّرون والمصلحون الذين دعوا الناس إلى الثورة ضدّ الواقع المنحرف لتغييره .
وهذا التقويم الواقعي السليم لمنطق التأريخ ، الذي يعطي الإنسان قيمته الحقيقية في هذا العالم الرحب ، ويضعه في محلّه المناسب له ؛ هو بعينه تقويم التشريع الإسلامي للإنسان ، وقد جاءصريحاً في القرآن الكريم :( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) القيامة : 14 ـ 15 .
والرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) يقول : ( لا تكن إمّعة : تقول أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحسنت ، وإن أساءوا أسأت ؛ بل وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس تُحسنوا ، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم ) .
إذاً ، نستنتج ممّا سبق أنّ للمحيط الطبيعي للفرد وللمحيط الاجتماعي العام تأثيراً عميقاً على تكوين شخصية الطفل وتحديد سلوكه