قال سهل بن عبد الله التستري :ما صار الأبدال أبدالا إلا بأربع خصال بإخماص البطون و السهر والصمت و الاعتزال عن الناس
-----------------------------------------------------------
قال الذهبي / السير:
الطَّرِيْقَةُ المُثْلَى هِيَ المُحَمَّدِيَّةُ، وَهُوَ الأَخْذُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَتَنَاوُلُ الشَّهَوَاتِ المُبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى -: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ، كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً } [المُؤْمِنُوْنَ: 51].
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُوْمُ وَأَنَامُ، وَآتِي النِّسَاءَ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي)
فَلَمْ يَشْرَعْ لَنَا الرَّهْبَانِيَّةَ ، وَ لاَ التَّمَزُّقَ وَلا الوِصَالَ، بَلْ وَلا صَوْمَ الدَّهْرِ، وَ دِيْنُ الإِسْلاَمِ يُسْرٌ وَحَنِيْفِيَّةٌ سَمْحَةٌ، فَلْيَأْكُلِ المُسْلِمُ مِنَ الطَّيِّبِ إِذَا أَمْكَنَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } [الطَّلاَقُ: 7]
وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَى نَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ وَالحَلْوَاءُ
وَالعَسَلُ وَالشَّرَابُ الحُلْوُ البَارِدُ وَالمِسْكُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الخَلْقِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-.
ثُمَّ العَابِدُ العَرِيُّ مِنَ العِلْمِ، مَتَى زَهَدَ وَتبتَّلَ وَجَاعَ، وَخَلاَ بِنَفْسِهِ، وَ تَرَكَ اللَّحْمَ وَ الثِّمَارَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الدقَّةِ وَالكِسْرَةِ، صَفَتْ حَوَاسُّهُ وَلَطُفَتْ، وَلاَزَمَتْهُ خَطَرَاتُ النَّفْسِ، وَسَمِعَ خِطَاباً يَتَوَلَّدُ مِنَ الجُوْعِ وَالسَّهَرِ، لاَ وُجُوْدَ لِذَلِكَ الخَطَابِ -وَاللهِ- فِي الخَارِجِ، وَ وَلَجَ الشَّيْطَانُ فِي بَاطِنِهِ وَخَرَجَ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ، وَخُوْطِبَ وَ ارْتَقَى، فَيَتَمَكَّنُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَ يُوَسْوِسُ لَهُ، فَيَنْظُرُ إِلَى المُؤْمِنِيْنَ بِعَيْنِ الازْدِرَاءِ، وَ يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُم، وَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الكَمَالِ، وَرُبَّمَا آلَ بِهِ الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ وَلِيٌّ، صَاحِبُ كَرَامَاتٍ وَتَمَكُّنٍ وَ رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ شَكٌّ، وَتَزَلْزَلَ إِيْمَانُهُ.
فَالخَلْوَةُ وَالجُوْعُ أَبُو جَادِ التَّرهُّبِ، وَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرِيْعَتِنَا فِي شَيْءٍ.
بَلَى، السُّلُوْكُ الكَامِلُ هُوَ الوَرَعُ فِي القُوْتِ، وَ الوَرَعُ فِي المَنْطِقِ، وَ حِفْظُ اللِّسَانِ، وَ مُلاَزَمَةُ الذِّكْرِ، وَتَرْكُ مُخَالَطَةِ العَامَّةِ، وَ البُكَاءُ عَلَى الخَطِيْئَةِ، وَ التِّلاَوَةُ بِالتَّرْتِيْلِ وَ التَّدَبُّرِ، وَ مَقْتُ النَّفْسِ وَ ذَمُّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، وَ الإِكْثَارُ مِنَ الصَّوْمِ المَشْرُوْعِ، وَ دَوَامُ التَّهَجُّدِ، وَ التَّوَاضُعُ لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَ السَّمَاحَةُ وَ كَثْرَةُ البِشْرِ، وَ الإِنْفَاقُ مَعَ الخَصَاصَةِ، وَ قَوْلُ الحَقِّ المُرِّ بِرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، وَ الأَمْرُ بِالعُرْفِ، وَ الأَخْذُ بِالعَفْوِ، وَ الإِعْرَاضُ عَنِ الجَاهِلِيْنَ، وَ الرِّبَاطُ بِالثَّغْرِ، وَ جِهَادُ العَدُوِّ، وَ حَجُّ البَيْتِ، وَ تَنَاوُلُ الطَّيِّبَاتِ فِي الأَحَايِيْنِ، وَ كَثْرَةُ الاسْتِغْفَارِ فِي السَّحَرِ، فَهَذِهِ شَمَائِلُ الأَوْلِيَاءِ، وَ صِفَاتُ المُحَمَّدِيِّيْنَ - أَمَاتَنَا اللهُ عَلَى مَحَبَّتِهِم -.