عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي ، قال : « كنا عند سفيان الثوري ، فكان إذا أتاه الرجل يطلب العلم سأله : هل لك وجه معيشة ؟
فإن أخبره أنه في كفاية ، أمره بطلب العلم ، وإن لم يكن في كفاية ، أمره بطلب المعاش »
قال شعبة : « من طلب الحديث أفلس ، بعت طستا لأمي بسبعة دنانير »
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع/ للخطيب البغدادي
------------------------------------
قال ابن الجوزي/ صيد الخاطر
ولو نظرنا في سير الرجال ونبلائهم، وتأملنا صحاح الأحاديث عن رؤسائهم، لعلم أن الخليل عليه الصلاة والسلام كان كثير المال حتى ضاقت بلدته بمواشيه، وكذلك لوط عليه الصلاة والسلام، وكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجم الغفير من الصحابة.
وإنما صبروا عند العدم، ولم يمتنعوا عن كسب ما يصلحهم، ولا من تناول المباح عند الوجود.
وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج للتجارة والرسول صلى الله عليه وسلم حي، وكان أكثرهم يخرج فاضل ما يأخذ من بيت المال، ويسلم من ذل الحاجة إلى الإخوان.
وقد كان ابن عمر لا يرد شيئًا، ولا يسأل.
وإني تأملت أكثر أهل الدين والعلم على هذه الحال، فوجدت العلم شغلهم عن المكاسب في بداياتهم، فلما احتاجوا إلى قوام نفوسهم ذلوا، وهم أحق بالعز.
وقد كانوا قديمًا يكفيهم بيت المال فضلات الإخوان، فلما عدمت في هذا الأوان، لم يقدر متدين على شيءٍ إلا ببذل شيء من دينه، وليته قدر، فربما تلف الدين، ولم يحصل له شيء.
فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، وأن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ظالم أو مداهنة جاهل، ولا يلتفت إلى ترهات المتصوفة، الذين يدعون في الفقر ما يدعون، فما الفقر إلا مرض العجزة، وللصابر على الفقر ثواب الصابر على المرض
اللهم! إلا أن يكون جبانًا عن التصرف، مقتنعًا بالكفاف؛ فليس ذلك من مراتب الأبطال، بل هو من مقامات الجبناء الزهاد.
وأما الكاسب ليكون المعْطِيَ لا المُعْطَى، والمتصدق لا المتصدق عليه، فهي من مراتب الشجعان الفضلاء، ومن تأمل هذا، علم شرف الغنى، ومخاطرة الفقر.