وصية الخطيب البغدادي/اقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلَ
إِنِّي مُوصِيكَ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي طَلَبِهِ ، وَ إِجْهَادِ النَّفْسِ عَلَى الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ ،
فَإِنَّ الْعِلْمَ شَجَرَةٌ وَالْعَمَلَ ثَمَرَةٌ ، وَلَيْسَ يُعَدُّ عَالِمًا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ عَامِلًا
وَ قِيلَ : الْعِلْمُ وَالِدٌ وَالْعَمَلُ مَوْلُودٌ ، وَالْعِلْمُ مَعَ الْعَمَلِ ، وَالرِّوَايَةُ مَعَ الدِّرَايَةِ
فَلَا تَأْنَسْ بِالْعَمَلِ مَا دُمْتَ مُسْتَوْحِشًا مِنَ الْعِلْمِ ، وَ لَا تَأْنَسْ بِالْعِلْمِ مَا كُنْتَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ
وَ لَكِنِ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُكَ مِنْهُمَا
وَ مَا شَيْءٌ أَضْعَفُ مِنْ عَالِمٍ تَرَكَ النَّاسُ عِلْمَهُ لِفَسَادِ طَرِيقَتِهِ ، وَجَاهِلٍ أَخَذَ النَّاسُ بِجَهْلِهِ لِنَظَرِهِمْ إِلَى عِبَادَتِهِ .
وَ الْقَلِيلُ مِنْ هَذَا مَعَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا أَنْجَى فِي الْعَاقِبَةِ إِذَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ ، وَ تَمَّمَ عَلَى عَبْدِهِ النِّعْمَةَ ، فَأَمَّا الْمُدَافَعَةُ وَ الْإِهْمَالُ وَحُبُّ الْهُوَيْنَى وَ الِاسْتِرْسَالُ ، وَ إِيثَارُ الْخَفْضِ وَالدَّعَةِ وَالْمَيْلِ مَعَ الرَّاحَةِ وَالسَّعَةِ ، فَإِنَّ خَوَاتِمَ هَذِهِ الْخِصَالِ ذَمِيمَةٌ ، وَ عُقْبَاهَا كَرِيهَةٌ وَخِيمَةٌ ،
وَ الْعِلْمُ يُرَادُ لِلْعَمَلِ كَمَا الْعَمَلُ يُرَادُ لِلنَّجَاةِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ قَاصِرًا عَنِ الْعِلْمِ ، كَانَ الْعِلْمُ كَلًّا عَلَى الْعَالِمِ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ عَادَ كَلًّا ، وَأَوْرَثَ ذلًّا ، وَ صَارَ فِي رَقَبَةِ صَاحِبِهِ غَلًّا
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : الْعِلْمُ خَادِمُ الْعَمَلِ ، وَالْعَمَلُ غَايَةُ الْعِلْمِ ، فَلَوْلَا الْعَمَلُ لَمْ يُطْلَبْ عِلْمٌ وَ لَوْلَا الْعِلْمُ لَمْ يُطْلَبْ عَمَلٌ ، وَلَأَنْ أَدَعَ الْحَقَّ جَهْلًا بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهُ زُهْدًا فِيهِ
وَ قَالَ سَهْلُ بْنُ مُزَاحِمٍ : الْأَمْرُ أَضْيَقُ عَلَى الْعَالِمِ مِنْ عَقْدِ التِّسْعِينَ ، مَعَ أَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ ، لَكِنَّ الْعَالِمَ أَشَدُّ عَذَابًا إِذَا تَرَكَ مَا عَلِمَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ
قَالَ الشَّيْخُ : وَهَلْ أَدْرَكَ مِنَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى إِلَّا بِإِخْلَاصِ الْمُعْتَقَدِ ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَ الزُّهْدِ الْغَالِبِ فِي كُلِّ مَا رَاقَ مِنَ الدُّنْيَا .؟
وَ هَلْ وَصَلَ الْحُكَمَاءُ إِلَى السَّعَادَةِ الْعُظْمَى إِلَّا بِالتَّشْمِيرِ فِي السَّعْيِ ، وَ الرِّضَى بِالْمَيْسُورِ ، وَ بَذْلِ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ؟
وَ هَلْ جَامِعُ كُتُبِ الْعِلْمِ إِلَّا كَجَامِعِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ ؟
وَهَلِ الْمَنْهُومُ بِهَا إِلَّا كَالْحَرِيصِ الْجَشِعِ عَلَيْهِمَا ؟
وَ هَلِ الْمُغْرَمُ بِحُبِّهَا إِلَّا كَكَانِزِهُمَا ؟
وَ كَمَا لَا تَنْفَعُ الْأَمْوَالُ إِلَّا بِإِنْفَاقِهَا ، كَذَلِكَ لَا تَنْفَعُ الْعُلُومُ إِلَّا لِمَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَ رَاعَى وَاجِبَاتِهَا
فَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ ، وَلْيَغْتَنِمْ وَقْتَهُ ، فَإِنَّ الثَّوَاءَ قَلِيلٌ وَالرَّحِيلَ قَرِيبٌ ، وَالطَّرِيقَ مَخُوفٌ ، وَ الِاغْتِرَارَ غَالِبٌ ، وَ الْخَطَرَ عَظِيمٌ ، وَ النَّاقِدَ بَصِيرٌ ، وَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمِرْصَادِ ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَعَادُ
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)