ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز انه كان إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العجب قطعه
و إذا كتب كتابا فخاف فيه العجب مزقه ويقول اللهم أني أعوذ بك من شر نفسي
---------------------------
اعلم أن العبد إذا شرع في قول أو عمل يبتغي فيه مرضاة الله مطالعا فيه منة الله عليه به و توفيقه له فيه و أنه بالله لا بنفسه و لا بمعرفته وفكره و حوله و قوته
بل هو بالذي أنشأ له اللسان و القلب و العين و الأذن فالذي من عليه بذلك هو الذي من عليه بالقول والفعل
فإذا لم يغب ذلك عن ملاحظته و نظر قلبه لم يحضره العجب الذي أصله رؤية نفسه و غيبته عن شهود منة ربه و توفيقه و إعانته
فإذا غاب عن تلك الملاحظة و ثبت النفس و قامت في مقام الدعوى فوقع العجب ففسد عليه القول و العمل
فتارة يحال بينه و بين تمامه و يقطع عليه و يكون ذلك رحمة به حتى لا يغيب عن مشاهدة المنة و التوفيق
و تارة يتم له و لكن لا يكون له ثمرة و إن أثمر أثمر ثمرة ضعيفة غير محصلة للمقصود
و تارة يكون ضرره عليه أعظم من انتفاعه و يتولد له منه مفاسد شتى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة و رؤية نفسه وأن القول و الفعل به .
و من هذا الموضع يصلح الله سبحانه أقوال عبده و أعماله ويعظم له ثمرتها أو يفسدها عليه و يمنعه ثمرتها فلا شيئ أفسد للأعمال من العجب و رؤية النفس
فإذا أراد الله بعبده خيرا أشهده منته و توفيقه و إعانته له في كل ما يقوله و يفعله فلا يعجب به
ثم أشهده تقصيره فيه و أنه لا يرضى لربه به فيتوب إليه منه و يستغفره و يستحي أن يطلب عليه أجرا
و إذا لم يشهده ذلك و غيبه عنه فرأى نفسه في العمل و رآه بعين الكمال و الرضا لم يقع ذلك العمل منه موقع القبول والرضا و المحبة
فالعارف يعمل العمل لوجهه مشاهدا فيه منته و فضله و توفيقه معتذرا منه إليه مستحييا منه إذ لم يوفه حقه
و الجاهل يعمل العمل لحظه و هواه ناظرا فيه إلى نفسه يمن به على ربه راضيا بعمله
فهذا لون وذاك لون آخر.
الفوائد / ابن قيم الجوزية