من البديهي جدّا أن تسعى الجهات الرسمية إلى تحجيم نسب المشاركة في الإضراب العام، لأن الاعتراف بالمشاركة الواسعة في هذه المحطة إعلان لفشل سياسات الدولة، ومؤشر خطير على تفاقم السخط الشعبي من تدابيرها. لكنّ جلّ المتتبعين يمكنهم إبراز تهافت هذا الادّعاء بدليل مستوى الانخراط الهام والمشاركة الواسعة في الإضراب داخل جميع القطاعات. ومن دون أدنى شك فإنّ لمحطة 29 أكتوبر2015 نتائج على المستوى السياسي والنقابي... تَنْبع من هذا الاتفاق المجتمعي غير المسبوق على مشروعية المطالب المرفوعة، وكذلك من حصول إجماع على وجود أسباب حقيقية لمثل هذا الشكل النضالي التصعيدي. ليكون لهذا الحدث رسائل مهمة حملها لصناع القرار ولكل الفاعلين:
- بلوغ الاحتقان الاجتماعي درجة غير مسبوقة لم تفلح في تنفيسه المناورات السياسية ووعود الإصلاح المسوَّف، كما لم تمنع بعض المصداقية المتبقية للحكومة فئات واسعة من المواطنين من المشاركة.
- طابع السلمية الذي تميز به الإضراب دليل على ارتفاع منسوب الوعي الشعبي، والذي تأثر لا محالة بتجربة الحراك المغربي. ثم إنّ هذا المناخ الإيجابي سيشجع على خوض أشكال احتجاجية أكثر تأثيرا وأوسع امتدادا.
- اقتناع قوى المجتمع بأهمية العمل الجماعي الوحدوي، فرغم اختلاف المشارب السياسية والقناعات الإيديولوجية أصبح نصرة الفئات المقهورة والوقوف إلى جانب مطالبها المشروعة شعارا يجمع تحته حركية كل قوى التغيير وفضلاء البلد.
- حقيقةٌ أكّدها الإضراب العام ونسب المشاركة فيه، كونه ساهم في إسقاط أكذوبة الإصلاح من الداخل، وعبّر بصوت المضربين عن إفشال المناورة السياسية التي دشنها النظام، بدءا بالإصلاح الدستوري وصعود الحزب الإسلامي للحكومة، وانتهاء بمرحلة التراجعات الخطيرة عن بعض المكتسبات السياسية والاجتماعية والحقوقية. لذلك لم تفلح وعود الإصلاح المزعوم في إفشال هذه المحطة التي جاءت لتغلق قوس هذا المسار الالتفافي.
- رجوع زمام المبادرة إلى قوى الممانعة المطالبة بالتغيير الحقيقي، والتي عبرت عن التصاقها بهموم الشعب، وذلك بعد فترة ترقب لمآلات سياسات التفقير والتسلط. غير أن الكرة الآن في ملعب هذه القوى لتستمر في الوقوف إلى جانب الفئات المستضعفة، حيث إن نجاح الإضراب ليس نهاية المطاف خصوصا وأن الجهات الحاكمة مستمرة في ضرب مقدرات الطبقات المفقرة أصلا.
- نجاح هذه المحطة رغم التهديد بالاقتطاع أو بالوسائل المخزنية الأخرى، مؤشر واضح على تصلب إرادة المضربين، وانضمام فئات عريضة إلى جبهة المناهضين للتجويع والتفقير بمبرر الحفاظ على الاستقرار والأمن. ليترسخ في ذهن الجميع أنّ استرجاع الحقوق يتطلب ثمنا يمكن أن يكون بسيطا إذا أُدِّي في وقته المناسب وبشكل جماعي.
ويكفي أن نذكّر هنا بأن مسار التغيير في أي مجتمع يمر عبر مراحل معينة، يمكن أن تكون هذه المحطة التاريخية التي تداعت لها شرائح واسعة من الشعب المغربي إحدى هذه المراحل. ويبقى على فضلاء البلد أن يستثمروا نتائجه لتحقيق آمال المقهورين باستحضار الواجهات التالية:
- ترسيخ مبدأ العمل الجماعي والوحدوي، وأن يصبح الاصطفاف بجانب المستضعفين أولوية لدى الجميع لعزل لوبيات الفساد وجهات التسلط.
- العمل على استمرار النفس النضالي والتعبوي، بهدف منع تسرب الإحباط لشرائح مهمة من المواطنين التي يمكن أن تستعيد الثقة في النضال المؤسساتي والاحتجاج السلمي.
- فتح نقاش عام حول الأسباب الحقيقية للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، لكي نوفق في تحميل المسؤوليات واقتراح الحلول الناجعة، وذلك بعيدا عن تسطيح النقاش وحصره في أمور تقنية تدبيرية.