دفاتر مقالات الرأي والتقارير الصحفية التربويةهنا نرتب أهم وآخر مقالات الرأي والتقارير الصحفية الواردة بالصحافة الوطنية والمتعلقة بموضوع التربية والتعليم
هكذا ودون سابق إنذار، سيجد رجال التعليم أنفسهم مع بداية الدخول المدرسي أمام واقع فرضته الحكومة، لا قدرة لهم على تغييره. حيث يجبرهم مرسوم جديد على الاستمرار في العمل بالمدرسة أو الجامعة رغم بلوغهم سن التقاعد. ولم يسأل أحد هؤلاء الأساتذة وعدد...هم 5412 عن رأيهم لمعرفة مدى قدرتهم وقابليتهم على إكمال المشوار بعد سن التقاعد والوقوف لساعات طوال في قاعات الدرس ومدرجات الجامعة.
فالغرض ليس هو الضغط على الأساتذة بإجبارهم على إعطاء الدروس، ولكن في مدى استفادة التلاميذ من تلك الدروس، خصوصا إذا كان المشرفون عليها عاجزين عن تأدية وظيفتهم لسبب أو لآخر قد يحول دون قيامهم بعملهم الرئيسي في غرس المعارف لدى الأطفال أو الطلاب. وكان من المفروض على الحكومة إعلام هؤلاء عند نهاية الموسم الدراسي بما ينتظرهم، على الأقل كانت ستوفر عليهم عناء قضاء العطلة الصيفية في التفكير والانشغال بوضع الخطط لحياة ما بعد التقاعد، حيث سيكون عليهم اليوم مراجعة كافة حساباتهم التي أسقطتها الحكومة بجرة قلم.
صحيح أن هناك عددا من الأساتذة والمعلمين يضجرون من الوصول لسن التقاعد، ويحبذون الاستمرار على التوقف عن العمل، لكنهم ليسوا أغلبية مطلقة يمكن الاستناد إليها لفرض مثل هذا القانون على الجميع، خصوصا في قطاع حساس مثل التعليم، واقعه الصادم بات معلوما للجميع.
والمشكل أن هؤلاء الأساتذة ممن سيتم الاحتفاظ بهم رهن «التدريس الإجباري» لن يتمكنوا من الاستفادة من راتب التقاعد، لأنهم أصبحوا بقوة القانون موظفين نشطين تملك الحكومة وحدها قرار الحسم في موعد إنهاء خدمتهم. ويبدو أن الحكومة تريد تجريب وصفتها بالرفع من سن التقاعد في رجال التعليم قبل الانتقال إلى الموظفين الآخرين في المؤسسات العمومية. ولعلها وجدت فيهم هدفا سهلا، لذلك بدأت بهم «الإصلاح» عن طريق المباغتة. والمشكل أن كل هؤلاء الذين لم يستشاروا في تمديد تقاعدهم سيخرجون كما يقول المصريون من المولد بلا حمص، أي أن استمرارهم في العمل فوق سن التقاعد لن يكسبهم المحفزات التي كانوا يحظون بها في السابق حين كان يتم استدعاؤهم لتعويض الأساتذة المتقاعدين. وهكذا ضربت الحكومة عصفورين بحجر واحد، الاحتفاظ بالمدرسين المتقاعدين، والاحتفاظ أيضا بالتعويضات المالية التي كانت ستمنح لبعضهم لو لم يدخل المرسوم حيز التنفيذ. لكن وزير الوظيفة العمومية محمد مبديع قال إن وصفة منح التعويضات غير قانونية، وكأن كل ما يحدث في هذه البلاد السعيدة قانوني. فالمسؤولون لا يتذكرون تطبيق القانون إلا حين تمثل أمامهم حقوق المواطنين الكادحين.
والأرجح أن كل هؤلاء المتقاعدين المحتفظ بهم رغم أنفهم سيطرحون سؤالا واحدا حول مدى «قانونية» ما تفعله الحكومة ليس من الناحية القانونية الصرفة ولكن من الناحية الأخلاقية. فالرفع من سن التقاعد لم يكن واردا في برنامج الحزب الحاكم، كما هو حال عدد من القرارات التي تم اتخاذها كالزيادة في أسعار المحروقات والمواد الاستهلاكية البري منها والبحري. بل حتى المجال الجوي لم يسلم من الزيادة بعد الرفع من رسوم السفر.
والسؤال الجوهري الذي لا يطرحه أحد هو: ترى لو أن حزب العدالة والتنمية قال خلال حملته الانتخابية السابقة إنه سيزيد في أسعار المحروقات والمواد الاستهلاكية وسيرفع سن التقاعد، هل كان سيحظى بالقبول، ليصبح زعيمه عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة. وهل كان سيكسب أصوات المغاربة لو دافع في حملته لنيل أصوات الناخبين عن سياسة «عفا الله عما سلف» التي بيضت وجه الفساد، وجعلته يتناغم مع عزف الربيع العربي في الاستثناء المغربي، هذا إضافة إلى قرار تجميد الاستثمار الذي جمد الشغل وزاد في أعداد العاطلين وأوقف أوراشا كان من الممكن أن تشكل متنفسا للمقاولات. وهل كان العدالة والتنمية سيربح معركة صناديق الاقتراع لو أنه دافع عن تبرئة ذمة المهربين الكبار الذين لازالت الحكومة تنتظر صبورة أن يدخلوا أموالهم المهربة من الملاذات الضريبية الآمنة.
يمكن أن نعدد الكثير من القرارات المجحفة المتخذة في حق هذا الشعب، مع أنها لم ترد البتة في البرنامج الانتخابي للعدالة والتنمية الذي كان يعد بصورة وردية للمغرب تنتشل المواطنين من الفقر والبطالة وتضمن لهم السكن والصحة والتعليم. نتمنى فقط أن يكون الحزب الحاكم صادقا خلال الحملة الانتخابية المقبلة، في قوله ووعده، وليس في بيع برامج تدغدغ المشاعر وتنفيذ أخرى تلذع المغاربة.
إقبال إلهامي