الجيلالي و الخرفان
لم أقو على مجاراة مساراته المتضاربة ، و مسايرة خطواته الواسعة ، و هو يقتحم حرمة هذا الحقل و يئد ورود تلك الضيعة غير المسيجة ، كانت الأزهار و الأعشاب تتهاوى تحت وطأة حذائه البلاستيكي العالي الذي يرافقه طيلة الفصول و الشهور التي يقضيها معنا في القرية ، داخل احد أقسام فرعيته – المسكن ... و الذي قيل له عنه انه مسكون بــ " رجال البلاد" و " أهل الخير "و اللي ما كيتسماوش" لكنه لم يكن يخشى شيئا ..
صدفة علمت أنه يبحث عن خرفانه التائهة منذ ليلة البارحة بعدما فوجئ باختفائها هي و بيض شاته السوداء ، فجن جنونه ، و لم يستطع مقاومة جوعه الذي ألف إطفاءه ببيض شاته و حليب دجاجاته و عصير أرانبه ... كان له من الدجاج تسعة و من الديكة خمس و من الخرفان ثلاثة و من الشياه واحدة و من الأرانب أربعة . و من التلاميذ اثنان و عشرون ، و كان يمتاز بأنفته و عصاميته و كبريائه فلم يحدث أن تنازل عن كرامته ، و طالب تلاميذه بجلب بيض أو زيت أو شيء من هذا القبيل ، بل كان يدبر كل أموره و يجد البدائل لكل حاجياته ، لكنه لم يكن يرفض عطاياهم الحيوانية ...
كانت حياته لحظة إبداع دائمة ، و إن كان له ميل واضح للعزلة و التصوف أحيانا. حصصه الدراسية كانت أشبه بفترات استيلاب و تحصيل خالدة ، امتلك الجميع بشخصيته الفريدة ، تلاميذه ، أناس قريته ‘ مفتش مادته ‘ كل الأطر التي أشرفت على تكوينه وتدريسه و بالخصوص شاته السوداء التي تعاطفت معه و آزرته في بدايات معاناته ، كما آنسته في وحدته ، بل و قد ذهبت معه إلى أبعد من ذلك ، فكان يفترش صوفها الناعم ، و ينام بين أحضانها ، و ينتظر بيضها الشهي يوميا ، كما كانت تضع له من ثديها الأيمن زيتا ومن ثديها الأيسر شايا أو قهوة دافئة ، و من فمها علكة دائمة الحلاوة ، و تكفلت بمهمة إرسال حوالاته إلى أهله و أصدقائه كحمامة سوداء زاجلة ، كما نابت عنه مرارا في تهيئ جدادات دروس الغد...
لم أكن لأصدق ما قيل لي عنه ‘ لولا أنني التقيته مرارا في الشهور الأخيرة و لاحظت سلوكياته الغريبة ...إذ أصبح يلبس الملابس الصوفية في عز الحر ، ويكتفي بسروال قصير ممزق طيلة أيام البرد القارس.
و قد أكد لي أحد تلامذته أنه فوجئ بمعلمه عند نهاية إحدى الحصص و هو يلتهم ثلاثة علب من الطباشير الملون من النوع الرخيص ، كما أقسم أنه رأى معلمه " الجيلالي " ممسكا بطباشير أحمر اللون بين أسنانه و هو يعتلي ظهر أحد التلاميذ ليصل إلى أعلى السبورة مدونا تاريخا جميلا متراقصا مشكلا بالعدد " اثنين " لا غير ! ... و أضاف بأنه كان يستعمل ما بقي من شعر فوذيه ليمسح به آثار الطباشير المبلل بغرائه و العالق بين شقوق السبورة ...و هذا الصباح التقيت به من جديد هائما جاريا، حافيا خائفا، استوقفته بشق الأنفس و عناء الأرواح، و كان غير " الجيلالي " الذي عرفته و عرفه أناس قريتي ، سمحا ، طيب الأخلاق ، طاهر السريرة ، قلبه بين يديه ، مشاعره محمولة على لسانه و شاته قابعة فوق كتفيه ... كان المسكين شارد الدهن ، رث السحنة و الملابس ، أشلاء شاته بين يديه ، لسانها محمول على لسانه ، و أمعاؤها منتشرة فوق كتفيه...
كان مشهدا عجيبا مهيبا ، ارتجفت له القلوب و الأوصال ، مشهد أثبت للجميع أن " الجيلالي " سيكون له مستقبل مشرق في عالم الأضرحة و الأولياء و السادات ،و أن شهرته ستتجاوز حدود هذا "الدوار " المعزول ليجوب اسمه ذو الحروف المشتركة عالميا كل الحظائر و الدواوير ...و تأكد الجميع أن فك العزلة عن " دوارهم " و رواج سلعهم و بضائعهم رهين بموت " الجيلالي " و إقامة قبة خضراء على قبره....
انطلقت الزغاريد و تسابق الناس للمس " الجيلالي " للتبرك بكراماته و اقتطاع جزء من صوف أو أمعاء شاته، خصوصا بعدما أشار عليهم بذلك أحد الشيوخ الأميين و أوهمهم بفعاليتها في شفاء كل الأمراض التي تصيبهم و تصيب حيواناتهم ...
المهم أنني انفردت به مساء هذا اليوم ، و سألته عن سر قداسته و رهبانيته... فابتسم المسكين بتهالك و أخبرني أن شاته طمعت في الزواج منه، وأنها حوالت ليلة هروب الخرفان أن تقبله، فحمل منجلا صدئا بين يديه و هددها بالقتل إن هي حاولت الاقتراب منه، لكنها تكلمت و صرخت له بحقيقة شعورها نحوه، كما اعترفت له بحبها و بحقيقة انتمائها لعالم الجن. و أخبرته أن اسمها الحقيقي هو " الجيلالية " و أنها أغرمت بصلعته اللامعة وتوحيمته الاسرة، و جذبها نحوه بكاؤه المرير يوم التحاقه أول مرة بالفرعية الواقعة فوق منزلها مباشرة ،و أن ملامح وجهه الحزين ، أثارت شفقتها و رأفتها به ، فتخلت عن أبنائها و زوجها الذي أخبرتها جارتها أنه هجرها إلى الأبد ، و غير مقر سكناه تجاه عالم الإنس داخل أحد الأجسام الثخينة حيث لا أزمة مواصلات و لا أزمة سكن ... و أتمم متلعثما بأنها تجاوزت حدودها و راودته عن نفسه ، فلم يتحمل هول الحدث، و دون تردد حصد رأسها و سلخها و أخرج كل أمعائها ليتأكد من موتها .
و أضاف بصوت شبيه بثغاء الشياه: لكن " الجيلالية " لم تمت ، و لم تتركني و إنما سكنتني و اتخذت من قلبي بيت نومها و أصبحت معدتي مطبخ منزلها ، تؤلمني عندما تتسلق عمودي الفقري تجاه دماغي لنشر غسيلها أو لإرغامي على التحدث بلسانها..."
و مع مرور الأيام أصبح أناس الدوار يشاهدون " الجيلالي " تائها وسط الحقول ، و قطعان غنمهم تليه أينما ولى . وحدث أن استيقظوا صبيحة يوم اثنين على نبا اختفاء الجيلالي و خرفانهم ...
انهار حلم الطامعين في الإشراف على ضريحه ، لكنهم أجمعوا على بناء ضريح وهمي لأشلاء شاته الوفية ، أسموه باسمه و أشاعوا نجاعته و تخصصه في إخراج الجن و فك "التقاف" و تهجير الراغبين في " الحريك " و تشغيل العاطلين عن العمل و ... إنبات الشعر في أعتد الرؤوس الصلعاء....