الأرمــــــــــــــلة و ....
التقيتها صدفة في إحدى مصحات الدار البيضاء المتخصصة في تقويم وجراحة العظام .إنها امرأة مسنة ، في عقدها السابع وربما أكثر من ذلك ، تجلس متهالكة على كرسي متحرك ، عركتها السنون ، تاركة على محياها البائس آثار صراع مرير مع الزمن ، لكأني بها تحاول لملمة جراحها ما وسعها ذلك ، خصلة من شعرها الموشح بمنديل أسود أبت إلا أن تشهد نيابة عن أخواتها بغزو الشيب لها مضفيا على المرأة هالة من الهيبة والوقار، تجعلها محط احترام وتقدير كل من رآها ، وتجاعيد وجهها كأنها أخاديد حفرها زمننا الرديء هذا بمعاول البؤس والشقاء ، عيناها غائرتان ، ووجنتاها بارزتان من شدة الضعف والوهن وما استرعى انتباهي أكثر فأكثر، كوني رأيتها غير ما مرة وهي تعض بين الفينة والأخرى على شفتها السفلى حتى لتكاد تدميها في محاولة يائسة لتداري صرخة ألم فظيع يكاد يقطع أوصالها . ورغم كل محاولا تها أبت دمعة حرى إلا أن تنطلق من عقالها ، متدحرجة على خدها الشاحب لتنفس بها عما يختلج بدواخلها من لواعج الحرقة والمرارة والعذاب ، جراء تواطؤ كل من الشيخوخة والمرض على جسدها الضعيف الواهن ليعجلا رحيلها عن دنيا لا مكان فيها لمريض جيوبه أفرغ من فؤاد أم عمرو ولا لضعيف لا يجد في هذه الدنيا من يحمي ظهره ولا من يشد على عضده و يقوي أزره .
لا أدري من أين أتيت بجرأتي هذه المرة ؟ إذ لم أتوان في التلطف إلى هذه المرأة والتقرب إليها ، متحدثا معها ، محاولا سبر أغوار هذه النفس البشرية التي تعاني ماتعانيه ، و في ذات الوقت العمل ما وسعني ذلك التخفيف عما بها ومواساتها فيما ألم بها ولو إلى حين . ارتاحت نفس المسنة إلي كما ارتحت إليها وكأننا نعرف بعضنا البعض منذ أمد بعيد . بل ، أصدقكم القول ، ولا أظنني مبالغ إن قلت : أحسست إحساسا عميقا كما لو أن هذه المرأة أما لي وشعرت من خلال حديثها إلي ونبرات صوتها الشجي كما لو كنت ولدا لها .
أخذنا نتجاذب أطراف الحديث . فأخدت تسرد على مسامعي قصتها مع المعاناة ، كما يلي :
أنا أرملة توفي بعلي منذ أكثر من ستة عشر سنة ، تاركا على عاتقي إعالة ابنة معاقة تعاني إلى جانب إعاقتها الحركية أمراضا نفسية وتشوها خلقيا في عمودها الفقري يجعلها تتنفس بصعوبة فتزداد بهذا كله عذاباتها ، وهي لاتبرح البيت البتة ، ولا أتقاضى عنها أي تعويض رغم القوانين التي تنص على استفادة المعاق من تعويضاته مدى الحياة ، وما يتطلبه مني معالجتها من أدوية وعقارات لا قبل لي بمصارفها ، وغير معوضة من طرف : ( الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ) .
بالإضافة إلى أخت لها عاطلة عن العمل ولا معين لهن جميعا إلاالله ، ومما زادني إيلاما وإمعانا في تعذيبي ومعاناتي عملية طرد تعسفي لأحد أبنائي من عمله بعد إصابته بمرض السل ، وبعد قضائه لست سنوات كعامل مؤقت ليلتحق بالبحرية الملكية استجابة لنداء الوطن للقيام بواجب التجنيد الإجباري لمدة سنتين . عاد ابني إلى نفس الشركة حيث قضى بها خمس سنوات كعامل رسمي ، ليزوره أحد موظفي مكتب الشركة المشغلة ، عارضا عليه بعض الأوراق الإدارية قصد التوقيع عليها مدعيا أن هذه الإجراءات تخص فقط تعويضاته عن المرض ، ليعلم بعذ ذلك أن توقيعه على تلك المستندات أوقعه في فخ وكمين نصب له للتخلص منه دون أن يستمتع بما تضمنه له القوانين الجاري بها العمل في ميدان الشغل والتشغيل ، و "ليخرج من المورد بلا حمص " كما يقول المصريون ، أو كما نقول نحن المغاربة : " لا حمار لا سبعة فرنك " .
فانقلبت حياته رأسا على عقب ، فتهاوت أحلامه ، وتبخرت بين عشية وضحاها آماله في غد مشرق باسم ، فتشتت بذلك شمل أسرته ، إذ هربت زوجته من بيت الطاعة لتلاحقه بعذ ذلك أمام المحاكم مطالبة إياه بالنفقة ، فما كان من المحكمة إلا أن حكمت لصالح الزوجة ، حيث انتهى الأمر بالزوج إلى السجن لعدم قدرته على دفع ماحكم به عليه .
خذل من كل جهة حتى من طرف المحامية التي أوكلها عنه ومن المفترض أن تدافع عنه وعن وضعيته الشاذة ، التي لا ذنب له في مجريات أحداثها ، ولا في كتابة سيناريو ملابسات قصتها ، ومما زاد الطين بلة : وزاد حياة ابني تعقيدا ، مصالح الضرائب التي تطالبه هي الأخرى بأداء مستحقات بخصوص :
( الضريبة الحضرية ) ، مهددة إياه هي الأخرى بالأداء أو الإكراه البدني ، علما ، أنه لايكاد يجني قوت يومه ونفقة ابنته من العمل الذي يزاوله كبائع لبعض الأدوات الصحية المستعملة .
الأمر الذي جعل ابني يفقد كل ثقة في المجتمع الذي تخلى عنه في أحلك أيامه ، غير آبه بما يعانيه ولا بالعذابات التي يتجرع كؤوسها على مضض من أقرب الناس إليه مما دفع به إلى محاولة الإنتحار لولا الألطاف الإلهية التي حالت دون ذلك .
فتعويض الترمل كما تعلم يابني ، يخصم منه النصف ، ولا تتقاضى الأرملة إلانصف ما كان يتقاضاه زوجها بعد تقاعده . وإني لأتساءل في غياب أي تغطية اجتماعية أو صحية وفي ظل الإرتفاعات المهولة للأسعار وارتفاع نسبة المعيشة ما عسى يمكن أن تفعله أرملة في أرذل العمر ومعيلة لعدة أفراد بذلك المبلغ الهزيل الذي يسمونه تعويضا ؟؟؟
كيف لنا أن نتدبر أمورنا وأمور أبنائنا في ظل تقلبات الزمن وتقلبات أهله اللذين لا يستقران على حال ؟ فمن الأرامل من تتقاضى أقل من خمسمائة درهم كل ثلاثة أشهر . أهذا عدل ؟ أهذا إنصاف ؟
أستشهدك بالله يا بني ، قل لي بربك ، صحتي كما ترى ازدادت تدهورا بمرورالوقت وبشكل خطير، أعاني اليوم من عدة امراض يلتهم المرض الواحد كل ما أحصل عليه من صندوق الضمان الإجتماعي ويزيد . ففي بحر هذا الأسبوع لوحده ولذى هذا الإختصاصي ، تسلم مني مبلغ : مئتان وخمسون درهما كأجرة له وقمت بفحص بالسكانير بألف ومئتا درهم ثم طلب مني أن أجري فحصا آخر يسمونه : ليريم (irm )) بثلاثة آلاف درهم، عدا ثمن الدواء و ثمن المواصلات ، ودونما تعويض عن ملفات التطبيب والعلاج ، مما استدعى مني أن أتدبر أمري لأوفر المبالغ المطلوبة ببيع ماتبقى مما كنت أتمسك به من متاع هذه الدنيا . ولجأت إلى بعض من
أتوسم فيهم خيرا من معارفي لأستدين منهم الجزء المتبقي من المال . ولولا إصراربناتي وإلحاحهن علي بضرورة زيارة الطبيب ما جئت إليه ، لأنني واعية تمام الوعي أن ذلك سيكون على حساب قوتهن اليومي ، والله يا بني لقد حرت ولم أعد أدري ما أنا فاعلة . فأين العدالة الإجتماعية فيما يحدث ؟ وأين دور صندوق الضمان الإجتماعي الذي يحمل اسمه أكثر من معنى ؟ بل وأين مستشفياتنا التي لم يعد يدخلها ويعالج بها إلا كل من يقوى جيبه على دفع ثمن التطبيب والعلاج أما دونهم من المواطنين فليذهبوا جميعهم إلى قرار الجحيم . ابتلعت الأرملة ريقها ، ثم امتدت يدها المرتعشة لتمسك بقنينة صغيرة بها ماء لتبلل به حلقها و لتتابع سرد معاناتها ومعانات مثيلاتها من الأرامل في ظل شعارات جوفاء لا تصلح إلا للإستهلاك ليس إلا... مستطردة : - - : لكأني بصندوق الضمان الإجتماعي عندما تركنا نواجه مصيرنا نحن الأرامل في غياب سياسة واضحة المعالم تأخذ بعين الإعتبار ظروفنا الإجتماعية والإقتصادية التي تسحقنا كل وقت وحين كما يسحق البعير غريمه بكلكله . فلكأني بصندوقنا هذا يستعجل موتنا ليستعيد باليد اليسرى نصف المعاش الهزيل الذي نتقاضاه منه باليد اليمنى .
فلا ضمان اجتماعي بدون تغطية صحية واجتماعية حقيقيين يأخذان بعين الإعتبار اللواتي يعشن في أرذل العمر من الأرامل ، بعد أن أفنين زهرة شبابهن مجندات وراء أزواجهن لتنمية اقتصاد هذا البلد الغالي الحبيب . أفليس على البلد بكل فعالياته أن يعمد إلى توفير كل الأسباب الكفيلة بضمان حياة كريمة ومحترمة لهؤلاء الأرامل وللعجزة والشيوخ على السواء اعترافا من الدولة ومن الصناديق المكلفة بدفع التعويضات وكذا فعاليات المجتمع المدني؟؟؟ فالمستحقات التي يتسلمها المستفيدون والمستفيدات من الصندوق حق من حقوقهم المشروعة لا يقبل المساومة ولاالتجزيء ولا الإقتطاع ، وبالتالي فلا يعتبر عطاء ولامنا .
فأسرنا المغربية لا يزال أفرادها ملتحمون وحتى لو أن الصندوق أوقف تعويضات الأبناء لكبر سنهم فالأرملة لا تطاوعها نفسها أن تتخلى عن ابناء أدار لهم الزمان بظهره وانقطعت في وجوههم سبل الرزق . عجبت لجرأة هذه الأرملة وعجبت أكثر لفصاحة لسانها وهي تتحدث إلي تحدث الواثقة لما تقول . فتذكرت المقولة المشهورة : " دعها ، فإن الحق أنطقها . " فكم أنطق الحق ألسنا ، وأخرس البهتان ألسنا ." فاستطردت متمتمة : إيه ، اجري التاعس من سعد الناعس "
قلت للأرملة : ماذا تقصدين أيتها الفاضلة ؟
ردت علي قائلة : لكأننا نحن الأرامل مدعوات إلى جبرما أتلفه المسؤولون السابقون عن هذا الصندوق ، وما أحدثوا فيه من اختلالات في التسيير وسوء التدبيرونهب المال العام وكذلك الإختلاسات التي أصبحت حديث الخاص والعام . فمال هذا الصندوق من كد وعرق وشقاء أزواجنا. و...
ونحن نتجاذب أطراف الحديث ، إذا بالممرضة تقاطع حديثنا معلنة للأرملة بأن دورها قد حان لمقابلة الطبيب فلما أ دخلت عليه ، أخذت أمعن النظر فيما قالته هذه الأرملة. وجعلتني أتساءل مع نفسي: ماضير المصالح المعنية لو شملت هؤلاء الأرامل بعين الحدب والرعاية ما تبقى لهن من العمر؟ إما بالزيادة في تعويضاتهن . أو بالتغطية الصحية لهن ولمن يعلن من المرضى والمعاقين على الأقل وهذا أضعف الإيمان . فمجتمع لايرعى كهوله وشيوخه ويأبى إلا أن يحرمهم من أبسط شروط العزة والكرامة ، مجحف في حق هذه الفئة من الناس ، مجتمع يولد السخط في نفوس أهله ويثير فيهم نوازع اليأس والقنوط في غد أفضل ، ومستقبل باسم .
انفتح باب مكتب الطبيب لتطلع الأرملة منه بوجه أكثرشحوبا تعلوه سيمات الخيبة والإحباط وهي تتمتم قائلة :لاحول ولا قوة إلا بالله العظيم ، حسبي الله ونعم الوكيل ، سلمت لك أمري ياألله ، ياعلام الغيوب . غادرت الأرملة المكان وعيناها ترنوان إلى الفضاء ا للا متناهي وقد اغرورقتا بالدموع . لأعلم فيما بعد أن الطبيب أمرها بضرورة إجراء عملية جراحية مكلفة ولا تخلو من خطورة ، وإلا ستصاب بالشلل .
فرحماك يا أرحم الراحمين بعبادك المستضعفين .
بقلم : محمد محبوبي .
قصة : من واقع المجتمع المغربي المعاصر . بتصرف .