أزمة المسلم النفسية : أبعاد وحقائق . - منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية
تسجيل جديد
أبرز العناوين



أدوات الموضوع

الصورة الرمزية الراشدي عبد الرحيم
الراشدي عبد الرحيم
:: دفاتري بارز ::
تاريخ التسجيل: 21 - 3 - 2009
السكن: نواحي وجدة
المشاركات: 118
معدل تقييم المستوى: 0
الراشدي عبد الرحيم في البداية
الراشدي عبد الرحيم غير متواجد حالياً
نشاط [ الراشدي عبد الرحيم ]
قوة السمعة:0
قديم 01-04-2009, 22:41 المشاركة 1   
مقال أزمة المسلم النفسية : أبعاد وحقائق .


أزمة المسلم المعاصر النفسية: أبعاد وحقائق


د. غازي التوبة
تناولت دراسات متعددة في الفترة الأخيرة الجانب العقلي في المسلم المعاصر، لكن الدراسات التي تناولت الجانب النفسي معدودة ومحدودة، وانطلاقاً من هذه الحاجة سألقى الضوء على بعض جوانب هذه الأزمة، لعلها تكون فاتحة لدراسات أخرى.
برزت عدة ظواهر سلبية مؤخراً في حياة المسلم المعاصر النفسية منها: التواكل،
السلبية نحو المحيط الاجتماعي، بروز الفردية، ضعف التوجه الجماعي، الرغبة في الخلاصالفردي، القلق والانهزام أمام الحضارة الغربية...الخ. وقد أَرجع كثير من المفكرينالإسلاميين وعلى رأسهم محمد عبده ومالك بن نبي هذه الظواهر إلى انحطاط فهم القضاءوالقدر، وإلى انتشار التصوف، وبيّنوا أن إيمان المسلمين الأوائل بالقضاء والقدر فيصورته الصحيحة كان عامل امتياز وفاعلية، في حين أن إيمان المسلمين المتأخرينبالقضاء والقدر في صورته الخاطئة أصبح عامل انحطاط وتأخر، وذلك أن المسلمين الأوائلفهموا أن الإيمان بالقضاء لا يتناقض مع الأخذ بالأسباب، بل يأمر الفهم الصحيحوالإيمان الصحيح بالقضاء والقدر بأن يأخذ المسلم بالأسباب، في حين أن المسلم الذيعاش في العصور الأخيرة فهم الإيمان بالقضاء والقدر على أنه ترك الأسباب، كما ندّدوابالتصوف ووضّحوا آثاره السلبية في حياة المسلمين الاجتماعية والعقلية والنفسية،وبيّنوا مخالفته للتعقّل والحكمة في الإسلام.
وإنّ تقصي أسباب تلك الظواهر
يجعلنا لا نقف عند ذلك التعليل فحسب، بل يجعلنا نسأل: لماذا كان هناك خطأ في فهمالقضاء والقدر في مرحلة من التاريخ الإسلامي؟ ولماذا انتشر التصوف؟ ولماذا قبلهالمجتمع الإسلامي في وقت معيّن؟ إن الجواب على هذه الأسئلة وأمثالها يجعلنا نضعيدنا على السبب الجوهري لانتشار هذه الظواهر في المجتمع الإسلامي. ونحن من أجل أننجيب عن هذين السؤالين سنبحث عن جوابهما في فرعين رئيسين من البناء الثقافيالإسلامي: العقيدة والفقه، وذلك ضمن الفقرات التالية:
أولاً: العقيدة
:
1-
دور العقيدة في البناء النفسي للمسلم حسب الطرح القرآني
.
2-
دور العقيدة في
البناء النفسي للمسلم حسب طرح كتاب جوهرة التوحيد للباجوري.
ثانياً: الفقه
:
1-
دور العبادات في البناء النفسي للمسلم حسب الطرح القرآني
.
2-
دور
العبادات في البناء النفسي للمسلم حسب طرح كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
3-
مقارنة بين الدورين
.
أولاً: العقيدة
:
1-
دور العقيدة في البناء النفسي
للمسلم حسب الطرح القرآني:
إن البناء العقائدي للمسلم يقوم على الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء القدر، وقد وضّح هذه الأركان حديث جبريلالمشهور الذي سأل فيه جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال: أن تؤمنبالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر.
ونحن اعتماداً على
هذا الحديث سنوضح البناء العقائدي للمسلم.
أ - الإيمان بالله
:
إن أبرز ما
يميز القرآن الكريم في حديثه عن الله تعالى هو ليس الكلام المجرد، إنما كلامه منخلال أفعال لله لها علاقة بالكون كخلق الإنسان، وخلق السماوات والأرض، والشمسوالقمر، والليل والنهار، وقد عرض القرآن كذلك صفات الله تعالى كالقدرة والعلموالرحمة والسمع والبصر من خلال آيات الكون ومظاهر الطبيعة وعالم الغيب الشهادة.
إن هذه الطريقة في الكلام كان لها أثرها في البناء النفسي، وأنا من أجل توضيح
هذا الأثر في البناء النفسي سآخذ مثالاً هو كلام الله عن خلقه الإنسان، وأبيّن هذهالطريقة القرآنية في البناء النفسي عند المسلم.
¬
ب- كلام القرآن عن خلق الله
تعالى للإنسان:
بيّن الله تعالى خلق الإنسان من طين فقال تعالى: "ولقد خلقنا
الإنسان من سلالة من طين" [المؤمنون:12]، وبيّنت الآيات استخلاف الله للإنسانوإخبار الملائكة بذلك، وسؤالهم عن سر أحقيته في هذه الخلافة فقال تعالى: "وإذ قالربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماءونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" [البقر:30]، وبيّن أنه طلبمن الملائكة السجود لآدم فسجدوا إلاّ إبليس، قال تعالى: "ولقد خلقناكم ثم صوّرناكمثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين" [الأعراف:11]،وبيّن تعالى أن الله خلق للإنسان زوجاً منه فقال تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم منأنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" [الروم:21]، وقد بيّن الله تعالى أنه أنعم على هذا المخلوق بنعمة السمع والبصروالفؤاد فال تعالى: "وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة" [المؤمنون:78]،وقال تعالى: "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة" [الملك:23]،وقال تعالى: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" [النحل:78]، وقد بيّنالله تعالى أنه هو الذي سخّر للإنسان كل ما في الأرض، وسخّر له الشمس والقمر والليلوالنهار وسخّر له البحار التي تجري الفلك فيها، ويستخرج الحلية واللحم الطري منها،فقال تعالى: "وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلكلآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوميذّكرون. وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونهاوترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" [النحل:12-14].
إن
المسلم عندما يعلم تلك الحقائق بأن الله خلقه فأصبح هذا الإنسان الذي يسمع ويحسويعقل ويتحرك، لاشك أن الإنسان عندما يتأمل الهوة الكبيرة التي تفصل بين المادةالتي ابتدأ منها والصورة التي انتهى إليها يعظّم الله تعالى.
وعندما يعلم أن
الله استخلفه دون بقية المخلوقات، وأن الله تعالى أكرمه بأن طلب من الملائكة السجودله يعظم الله تعالى ويحمده على هذا الإكرام.
وعندما يعلم المسلم أن الله أنعم
عليه بنعمة السمع والبصر والفؤاد، وأنعم عليه بالزوجة، عندما يعلم المسلم ذلك،ويوقن به يعظّم الله تعالى ويحبه تعالى، ويرجوه أن يستمر في تسخيره هذه النعم التييستمتع فيها.
وعندما يعلم المسلم أن الله تعالى سخّر له الليل والنهار والشمس
والقمر، وسخّر له البحار التي تجري السفن فوقها، ويستخرج اللحم الطري من داخلها،وسخّر له الأرض التي تخرج النبات والزرع الذي يأكل منه ويستفيد، عندما يعلم كل ذلكيعظّم الله؛ لأنه خلق هذه المخلوقات العظيمة، ويحبه تعالى لأنه سخّرها له يستفيدمنها ويستمتع بها، ويرجوه تعالى أن يستمر هذا التسخير.
ج- أركان الإيمان
الأخرى:
وكذلك الحديث عن بقية الإيمان: الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر
والقضاء والقدر، فقد كان للقرآن طريقة خاصة في تناولها تؤدي إلى إغناء البناءالنفسي للمسلم، وأبرز معالم هذا التناول الخاص عرض هذه العناصر من خلال وقائع تدلعلى قدرة الله تعالى وعلمه ورحمته وقوته.
وبالنسبة للملائكة قد بيّن الله تعالى
أنه خلقهم من نور، وأن بعضهم يحفّ العرش مسبحاً بحمد الله تعالى، وأنهم يتعاقبون فيشهود صلاة المؤمنين، وأنهم يشهدون صلاة الجمعة، وأن منهم مالكاً خازن النار، وأنمنهم ملك الموت الموكّل في قبض أرواح العباد، وأنهم يحفظون الناس بأمر الله، وأنهميصلون على المؤمنين، وأنهم أغاثوا المسلمين في معركة بدر...الخ. وقد وردت آياتكريمة وأحاديث في كل المعاني السابقة، فعندما يعلم المسلم تلك الوقائع عن الملائكةويوقن بها، فإن المسلم يعظّم الله، لأنه خلق مخلوقات من نور لا تقع تحت بصره، عظيمةفي قدرها، وفي المهام التي تؤديها مثل حمل العرش، وقبض الأرواح، والنـزول بوحيالله، والنفخ في الصور يوم القيامة، وكتابة حسنات الناس وسيئاتهم، وكذلك يحبالملائكة؛ لأنهم يبشرون المؤمنين ويستغفرون لهم، ويشهدون صلواتهم، وكذلك يحب اللهالذي سخّر الملائكة التي تقف أمامه وخلفه وعلى جنبه لتحفظه من كل ما يضره.
وأما
الركن الثالث من أركان الإيمان وهو الإيمان بالكتب فقد أخبرتنا الأحاديث الشريفةبأن الله أنزل أربعة وعشرين كتاباً، وقد ذكر القرآن منها: الصحف على إبراهيم،والتوراة على موسى، والزبور على داوود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد. وقدامتدح القرآن هذه الكتب في أكثر من آية، وقد وصف الله تعالى القرآن بأحسن الصفات،وبيّن آثاره العظيمة من هداية ونور، وليس من شك بأن الإيمان بالكتب بالصورة التييعرضها القرآن والسنة الشريفة يجعل المسلم يعظّم الله تعالى ويحبه؛ لأنه أنزل الكتبالتي أرشدت البشر إلى الخير في دنياهم وآخرتهم، كما تجعل المسلم يحب كتب الله؛لأنها مثّلت منارات في ظلمات الطريق وبؤرة إشعاع في دياجير الضلال.
وأما الركن
الرابع وهو الإيمان بالرسل فإن الله أخبرنا بأنه بعث أنبياء ورسلاً إلى مختلفالأقوام والشعوب، كما قصّ علينا القرآن الكريم والسنة النبوية تفاصيل كثيرة عنحياتهم، ودعوتهم، ومعجزاتهم، وصراعهم مع أقوامهم، وعن اضطهاد الكافرين لهم، ثمإنجاء الله لهم، وإهلاك المكذبين والكافرين بهم، ولم تخل سورة تقريباً من حديث عننبي أو أكثر.
ليس من شك بأن الركن الرابع له دوره في البناء النفسي بالصورة
التي عرضته مصادر الإسلام، ويتجلّى ذلك بحب الله وتعظيمه لإرسال الرسل الذين مثّلواالقدوة الحسنة للبشرية في سلوكهم وتصرفاتهم، كما يبعث الإيمان بالرسل والأنبياءالأمل في الانتصار؛ لأن الانتصار كان نهاية صراعاتهم مع الباطل، كما يعمّق الإحساسبالانتماء، ويطرد الإحساس بالغربة؛ لأنه يسير على خطاهم، ويهتدي بهديهم.
أما
الركن الخامس وهو الإيمان باليوم الآخر فإن القرآن والسنة حَوَيا كثيراً منالتفصيلات عن اليوم الآخر بدءاً من سكرات الموت، إلى الدخول في القبر، إلى البعثمرة ثانية والدخول في عالم الحشر، ثم الانتهاء إلى نعيم الجنة أو عذاب القبر، ليسمن شك بأن هذه التفصيلات عن اليوم الآخر المقصود منها أن يوجّه المسلم طاقة الخوفعنده إلى الخوف من نار الله تعالى، وأن يوجّه طاقة الرجاء عنده إلى جنة الله تعالى.
أما الركن السادس وهو الإيمان بقضاء الله وقدره، وبأن كل ما يحدث له إنما هو
بعلم الله تعالى وقدرته، وإنه مسجّل ومكتوب في اللوح قبل أن يقع له، وقبل أن يخلقالله السماوات والأرض، فليس من شك بأن هذا الإيمان بهذه الصورة يساهم في بناء الثقةفي الله تعالى.
2-
دور العقيدة في البناء النفسي للمسلم حسب كتاب "جوهرة
التوحيد" للباجوري:
كيف عرض الباجوري في كتاب "شرح جوهرة التوحيد" العقيدة
الإسلامية، علماً بأنه من أكثر الكتب شيوعاً واعتماداً للتدريس في العصور المتأخرة؟وكيف تناول أركان الإيمان؟
تحدث كتاب شرح الجوهرة عن الله من خلال إشكالية
مستحدثة لم تعرفها مصادر الشرع الإسلامي وهي وجود الله، فيطرح السؤال التالي: ماالدليل على وجود الله؟ ويجيب عن هذا السؤال فيقول: "إن أجاب هذا العالم بشكل مجملدون التفصيل المعتبر عند المناطقة فقد جاء بالدليل الجملي، وإن فصّل الجواب حسب مايريده المناطقة فقد جاء بالدليل التفصيلي". ويقتضي الدليل التفصيلي أن يتكلمالباجوري عن العدم والوجود وأقسام الحكم العقلي: الواجب والجائز والمستحيل لينتهيأن الله واجب الوجود، ويعتبر الباجوري أن من لا يعرف وجود الله بهذه المقدماتمؤمناً عاصياً إن قدر على النظر، وكافراً في رأي آخر كما ينقل عن السنوسي.
ثم
يبيّن الباجوري أن الواجب على المكلف أن يعرف عشرين صفة لله تعالى بأدلتها العقليةوالنقلية والعادية بعد أن يعرف كل دليل منها. ثم يتحدث الباجوري عن هذه الصفاتفيقسمها إلى ثبوتية وسلبية ؛ ويعرف كلاً من الثبوتية والسلبية فيقول: "الثبوتية مايدل على نفس الذات وهي الوجود، ومنها ما يدل على معنى زائد عن الذات وهي صفاتالمعاني والمعنوية، وكلاً هي أربع عشرة"، ويبيّن أن السلبية تبلغ خمس صفات فقط، ثميدلل على واجب الوجود ببطلان التسلسل والدور، ثم يتحدث عن الصفات السلبية وهي: المخالفة للحوادث التي يلحقها القدم، وقيامه بالنفس والمقصود: عدم افتقاره تعالىإلى المحلّ والمخصص، والوحدانية التي تعني: وحدانية الذات والصفات والأفعال.
ثم
ينتقل إلى صفات المعنى فيذكر صفة القدرة، ويشير إلى تعلقها السبع، ويتحدث عن صفةالإرادة ويذكر أن لها تعلّقاً صلوحياً قديماً بمعنى صلوحها في الأزل للإيجادوالإعدام، وأن لها تعلّقاً تنجيزياً قديماً بمعنى الإيجاد والإعدام بالفعل، ثميتحدث عن صفة العلم فيوجبها لله تعالى، وتعلق العلم تعلّق تنجيزي قديم، ثم يقررصفتي الحياة والكلام لله تعالى، ويتبع ذلك بالكلام عن صفتي السمع والبصر ويقرر أنلهما ثلاث تعلقات: صلوحياًً قديماً، وتنجيزياً قديماً، وتنجيزياً حادثاً، ثم يقررصفة الإدراك وينقل الاختلاف في شأنها، ثم ينتقل إلى الحديث عن الصفات المعنوية وهي: حي، عليم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، ويوضح الفرق بين صفات المعاني والمعنوية: أن المعاني صفات وجودية، والمعنوية ثبوتية بمعنى أنها عبارة عن قيام المعنى بالذات،وأن المعاني ملزومة للمعنوية عقلاً، والمعنوية لازمة للمعاني بمعنى أنه يلزم منكونه قادراً أنه موصوف بالقدرة. ثم يتحدث عن علاقة صفات الذات بالذات فيقرر أنهاليست بعين الذات ولا غيرها.
وهناك شيء آخر نجد أنه مستحدث ومقرر في كتاب
الباجوري وهو التأويل ، ونجد أن كثيراً من صفات الله وأفعاله أو معظمها خضعت لقانونالتأويل، وليس من شك بأن النتيجة المباشرة لمثل هذه العملية هو انعدام التأثيرالنفسي لكثير من أفعال الله وصفاته.
أما الأركان الأخرى للإيمان فنجد أن
الباجوري تحدث عن ركن الرسل فقال: "إن إرسال الرسل فضل من الله وليس واجباً كما ذكرالفلاسفة والمعتزلة، وليس مستحيلاً كما ذهب السمنيّة والبراهمة" ثم بيّن الصفاتالتي تجب لهم وقرّر عدم اكتساب النبوة وأفضلية محمد صلى الله عليه وسلم في النهاية.
أما الأركان الأخرى للإيمان فبعضها لم يرد عنه حديث أصلاً: كالملائكة، والكتب،
وبعضها الآخر ورد الحديث عن أجزاء منه مثل الإقرار أن هناك ميزاناً وصراطاً وحوضاًفي معرض الحديث عن اليوم الآخر.
المقارنة بين الدورين
:
1-
رأينا أن الحديث
عن الله وصفاته في القرآن والسنة من خلال الكون والطبيعة والإنسان أن ذلك يؤدي إلىإغناء البناء النفسي للمسلم، ولكن رأينا الحديث عن الله وصفاته في كتاب الباجورييأتي بشكل مجرد أو من خلال مشاكل وإشكالات مثارة حول وجود الله وصفاته مما جعلالكتب المتأخرة تفقد أية مساهمة في البناء النفسي للمسلم.
2-
إقرار التأويل في
كتاب الباجوري واعتباره الأصل في التعامل مع صفات الله وأفعاله، ضيّق المساحةالمساهمة في إغناء البناء النفسي للمسلم.
3-
كان تناول أركان الإيمان الأخرى
مثل: الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر في كتاب الباجوري من خلالصورتين:
الأولى: الإشكالات الفكرية الموجودة في المناخ الإسلامي مما سيؤدي إلى
إنعدام الأثر النفسي لها بالمقارنة مع تناولها في القرآن والسنة.
الثانية
: الحديث الجزئي عن هذا الركن مما يقلّل الأثر في البناء النفسي.
4-
لا يوجد أي
حديث عن بعض الأركان أحياناً مما يؤدي إلى خسارة البناء رافداً أو أكثر من روافدالبناء النفسي.
ثانياً: الفقه
:
1-
دور العبادات في البناء النفسي حسب الطرح
القرآني:
ليس من شك بأن العبادات لها ارتباط وثيق بالقلب وبالنفس، حتى وإن كانت
بدنيّة؛ فقد قصد الشارع من فرضها توليد الخشوع والاطمئنان فقال تعالى: "قد أفلحالمؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون" [المؤمنون:1-2]، وقد بيّنت بعض الآيات أنذكر الله يجعل القلب مطمئناً فقال تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألابذكر الله تطمئن القلوب" [الرعد:28]، وقد بيّنت آيات سورة المعارج أن الإنسان يكونفي خوف دائم وفي بخل مستمر، وتستثني الآيات من ذلك المصلّين الذي هم على صلاتهمدائمون، قال تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعاً. إذا مسّه الشر جزوعاً. وإذا مسّه الخيرمنوعاً. إلا المصلّين. الذين هم على صلاتهم دائمون" [المعارج:19-23]، وقد بيّن اللهتعالى أن الصلاة كبيرة وثقيلة إلاّ على الخاشعين الذين يوقنون بلقاء الله تعالى،ويخافون عذابه, ويرجون جنته فقال تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةإلا على الخاشعين. الذين يظنّون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون" [البقرة:45-46]، وقد صرحت الآية التي أمرت بأخذ الزكاة من المسلمين أن القصد من ذلكهو التوصل إلى تطهير المسلمين وتزكيتهم، والمقصود من ذلك جعلهم يعظّمون الله عوضاًعن المال، قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتكسكن لهم" [التوبة:103]، وقد صرحت الآية التي تحدثت عن الصيام بأن الله فرضه من أجلتوليد التقوى، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذينمن قبلكم لعلكم تتقون" [البقرة:183]، وقد صرحت بعض الآيات إلى أن الهدف من أحدأعمال الحج وهو ذبح الهَدْي توليد التقوى والخوف في قلوب العباد من الله؛ لأن اللهلن يصل إليه شيء من لحوم الأضاحي ودمائها، ولكن تصله التقوى التي تتمثل في الخوفمنه تعالى، وفي الحرص على تنفيذ أمره، قال تعالى: "والبُدْن جعلناها لكم من شعائرالله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليه صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعمواالقانع والمُعْتر كذلك سخّرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها ولا دماؤهاولكن يناله التقوى منكم كذلك سخّرها لكم لتكبّروا الله على ما هداكم وبشّرالمحسنين" [الحج:36-37]، ووصف الله الذين أوتوا العلم بالخشوع عندما يسمعون كلامالله يُتلى عليهم فقال تعالى: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّونللأذقان سجّداً. ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً. ويخرّون للأذقانيبكون ويزيدهم خشوعاً" [الإسراء:107-108]، إذن توليد الخشوع والاطمئنان هدف رئيس منأهداف جميع العبادات حسب الطرح القرآني.
2-
دور العبادات في البناء النفسي حسب
طرح كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة":
ليس من شك بأن الركوع والسجود مظهران
رئيسان من مظاهر خضوع العبد المسلم لربه، ونستطيع أن نقول إنهما قمتان من قمم عبادةالمسلم لربه، ولنرَ ماذا قال عنهما كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، قال الكتاب: "الحنفية، قالوا يحصل الركوع بطأطأة الرأس، بأن ينحني انحناء يكون إلى حال الركوعأقرب، فلو فعل ذلك صحت صلاته، ثم بإكمال الركوع فهو انحناء الصلب حتى يستوي الرأسبالعجز، وهذا في ركوع القائم، أما القاعد فركوعه يحصل بطأطأة الرأس مع انحناءالظهر، ولا يكون كاملاً إلا إذا حاذت جبهته قدام ركبتيه". وقال الكتاب عن السجود: "قالوا: حد السجود المفروض هو أن يضع جزءاً ولو قليلاً من جبهته على ما يصح السجودعليه، أما وضع جزء من الأنف فقط فإنه لا يكفي إلا لعذر على الراجح، أما وضع الخد أوالذقن فإنه لا يكفي مطلقاً لا لعذر ولا لغير عذر، ولابد من وضع إحدى اليدين وإحدىالركبتين وشيء من أطراف إحدى القدمين، ولو كان إصبعاً واحداً على ما يصح السجودعليه، وأما وضع أكثر الجبهة فإنه واجب، ويتحقق السجود الكامل بوضع جميع اليدينوالركبتين وأطراف القدمين والجبهة والأنف".
نلحظ من خلال الكلام السابق تركيز
الكتاب على صورتي الركوع والسجود، ومظهرهما، ورسمهما، ونلحظ إغفاله للحديث عنعقلهما ووعيهما وعن الخشوع لله وتعظيمه الذي يجب أن يرافقهما والذي هو الهدف منفرضهما.
3-
مقارنة الدورين
:
نجد بَوْناً شاسعاً فيما استهدفه القرآن من فرض
العبادات، وبين ما تحدّث عنه كتاب الفقه على المذاهب الأربعة نفسها، فنجد أن الهدفمن جميع العبادات حسب الطرح القرآني توليد أمور معنوية مثل: الخشوع والتقوىوالتطهر، لكننا لا نجد لذلك أثراً في كتاب الفقه الذي يتحدث عن مظهرين من مظاهرالعبادة وهما الركوع والسجود، بل نجد تركيزاً على صورة العبادة، ورسمها، وإطارهاالخارجي، ولا نجد أي تركيز يُذكر على عقل الصلاة الذي هو الخطوة الأولى لتوليدالخشوع، ولا نجد كذلك ذكراً للأمور المعنوية الأخرى التي تتولّد عن أعمال الركوعوالسجود مثل: التعظيم، والرجاء، والتقوى، والإنابة، والإخبات... الخ ناهيك عنالحديث عن تبيان الأهمية الشرعية للخشوع مثلاً وتوضيح كيفية زيادته، والعوامل التيتؤدي إلى نقصانه في الصلاة... الخ، وليس هذا فحسب لكننا نجد على النقيض من هذاتقليلاً لقيمة أية توجيهات مباشرة وصريحة في هذا المجال، فنجد أن الأمر الواضحبالاطمئنان من الرسول صلى الله عليه وسلم والذي ورد في حديث المسيء صلاته يتحرّفليصبح ليس فرضاً أولاً، وليتحول تحديد الاطمئنان بالعمل الجسمي وليس بالحالةالنفسية ثانياً كما هو واضح من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاطمئنان في الحديثالمذكور الذي جاء فيه: "دخل رجل المسجد فصلى ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلمفرجّعه عليه السلام وقال: ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ. فرجع، ففعل ذلك ثلاث مرات. فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلّمني. فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثماسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثمافعل ذلك في صلاتك كلها" (رواه البخاري ومسلم وأحمد).
وقد جاء في كتاب الفقه
على المذاهب الأربعة ما يلي: "الفرض السابع: الرفع من الركوع، الثامن: الرفع منالسجود، التاسع: الاعتدال، العاشر: الطمأنينة. هذه الفرائض الأربعة متصلة ببعضها،وقد اتفق على فرضيتها ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية في فرضيتها، بل قالوا: إنالرفع من الركوع والطمأنينة من واجبات الصلاة لا من فرائضها، بحيث لو تركها المصليلا تبطل صلاته، ولكنه يأثم إثماً صغيراً، كما تقدم بيانه غير مرة". "الحنفية: فقالوا: الطمأنينة: وهي تسكين الجوارح حتى تطمئن المفاصل، ويستوي كل عضو في مقرّهبقدر تسبيحه على الأقل، واجبة في الركوع والسجود، وكذا في كل ركن قائم بنفسه". "المالكية: وأما الطمأنينة فهي ركن مستقل في جميع أركان الصلاة وحدّها استقرارالأعضاء زمناً ما زيادة على كل ما يحصل به الواجب من الاعتدال والانحناء، وكل ذلكلازم لابد منه في الصلاة عندهم".
النتيجة التي يمكن أن نقرّرها من هذه
المقارنة: إن الفقه ذهب بعيداً، فركز على صورة العبادة، ومظهرها، ورسمها، وأغفلالحديث عن الجانب النفسي الذي يجب أن يرافقها والذي هو المقصود من فرضها، والهدف منتشريعها كما وضّح القرآن الكريم ، ليس من شك بأن هذا التوجّه جعل الفقه بصورته التيانتهى إليها يساهم في الإفقار النفسي للمسلم في حين أنه يفترض أن يكون عاملاً فيالإغناء النفسي للمسلم.
الخلاصة: إن الصورة التي انتهت إليها كتب العقيدة
والفقه كانت عاملاً رئيساً من عوامل توليد أزمة المسلم المعاصر النفسية، لذلك منأجل تجاوز هذه الأزمة لابد من إعادة عرض العقيدة والفقه بالصورة التي تعيد إغناءالمسلم ملاحظين العوامل التي أدت إلى هذا الإفقار.









آخر مواضيعي

0 الكفايات حاجة اجتماعية و اقتصادية أم موضة تربوية؟
0 أزمة المسلم النفسية : أبعاد وحقائق .
0 هل تهتم بأجرتك الحقيقية ؟؟ ؟؟؟؟
0 العربون
0 خسارة أمريكا مكسب للعالم
0 الرغبة ثم النية ثم الإرادة ثم العزم
0 كتب في البرمجة
0 الحاسة التي لا تنام


مراد الزكراوي
:: دفاتري ذهبي ::

الصورة الرمزية مراد الزكراوي

تاريخ التسجيل: 10 - 3 - 2008
السكن: وجدة الناظور
المشاركات: 3,135

مراد الزكراوي غير متواجد حالياً

نشاط [ مراد الزكراوي ]
معدل تقييم المستوى: 545
افتراضي
قديم 02-04-2009, 13:30 المشاركة 2   

شكرا للمقال أخي
و لو أن الدفتر مخصص للمواضيع التربوية

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أبعاد, أزمة, المُمل, النفسية, وحقائق

« خيرالبيوت بيت فيه يتيم يحسن إليه | حوار مثير لفتاة تحتضر !! »

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ما هي السعادة النفسية ؟ نصائح هامة للراحة النفسية FLAMANT الصحة النفسية 0 16-06-2011 19:04
حول أزمة الخلق المسلم المعاصر /أبو شقة - كتاب رائع ابن الاسلام كتب إلكترونية 1 06-06-2009 09:56
أزمة العمل الجمعوي الأمازيغي بالمغرب أزمة فكر أم أزمة تفكير أشرف كانسي ثقافة العمل الجمعوي 8 20-01-2009 12:18


الساعة الآن 01:54


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر تربوية © 2007 - 2015 تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة