صباحا يجلس في المقهى , عادة يسبق اصدقاءه , يأخذ الركن المعتاد , ثم يبدأ في التقاط تفاصيل المارة , منتظرا الجالس قبالته من اطلاق سراح جريدة المقهى , لم يدخن بعد سيجارته الأولى , والنادل المتنقل كنحلة رشيقة مضرب على طاولته استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي , يلتفت يمينا و يسارا في شبه حركات تلفت الناظرين , ثم يلمح ابا طه قادما , يلوح له بيديه ثم يحرر من جوفه زفرة أسيرة معلنة قدوم الفرج .
_صباح الخير ايها الرفيق.
_تحية نضالية صباحية افضل ايها الرفيق , فصباح الخير تعبير بورجوازي لعين.
هكذا هو أبو نضال , جميع السياقات و المشاهدات و التعليقات تأخذ في ذهنه شكلين ..اما شكل البروليتاريا المحاط بكل اوصاف المجد و الخلود , او شكل البورجوازية المسيج بلعنات وويلات لا تنتهي , وهو اذ يمارس لعبة المقابلات هاته , ينتتشي أحيانا , وأحيانا اخرى ينغمس في طقوس من السب و الوعيد.
يرتشف جرعة من القهوة السوداء , وينفث الدخان في الهواء صانعا طائرة نفاثة تمتد الى الرصيف المقابل للمقهى , وفي نفسه يقول .. ( هل جزاء الواقع الملوث الا الصدر الملوث ) , ينهض من مكانه , يأخذ الجريدة ثم يعود , عيناه المنتفختان بدأتا في التقلص عند اشعاله السيجارة الثانية , يتصفح الجريدة وتثير فضوله صورة لمسؤول حكومي ويعلق ...
_أنظر يا صاح , هؤلاء الكائنات يقنعوك فقط بلباسهم الأنيق وربطة العنق الممسوخة , أما ما عدا ذلك فلا شيء , لا ماضي نضالي , لا اعتقال , لا سجون ,...
كان لابد ان يستحضر تجربة اعتقاله في كل حديث , حتى بدون سياق , فيعري ظهره ويديه ليشهد على ما في جسده من فظاعات وهو مزهو فخور , اما مؤخرته التي نالت القسط الأوفر من التعذيب فكان يناديها * المعذبة في صمت * , ذلك انه لا يستطيع تعريتها احتراما للمجتمع الذي لا يدين بأية أخلاق.
يقلب صفحة الجريدة ويستوقفه عنوان بارز.. ( تسريح آلاف العمال من شركة النجاة و الوضع مرشح للانفجار ) , ويعلق أبو نضال قائلا ..
_ألم يحن بعد زمن الانقضاض على هذه الطغمة الفاسدة التي صنعت من رغيف الفقراء مأتما ؟
بسؤال مستفز يجيبه ابو طه..
_تصور نفسك رب عمل , ماذا ستفعل للرابضين كرها أمام أبواب المعامل ؟
_أنا لا أؤمن الا بالشعب وبحقوقه التي لا تقبل المساومة , وأي استغلالي يمتص ظلما عرق الطبقة العاملة فمصيره مزبلة التاريخ , ولتسقط الرأسمالية العفنة.
هكذا ألفه اصدقاءه , عصبي المزاج , يثور لأتفه الأسباب , ويجدف على كل الأسماء , لا يفرق فيها بين المقدس و المدنس , في صدر الصفحة الثالثة أطل عليه عنوان أفجعه يتعلق باعتقال مجموعة من المعطلين أمام القبة الميمونة للبرلمان الأبرك فصرخ ..
_ اللعنة على الأجهزة القمعية التى لا شأن لها سوى التنكيل بخير أطر البلاد , واقبارها في متاهات لا تنتهي ).
يعلق أبو طه ..
_وأين ستجد الدولة كل هذه المناصب ؟
يجيب أبو نضال ..
_ بلادنا تزخر بخيرات كثيرة , وأسوأ ما نعيشه هذه العقلية الجافة في التدبير و التسيير , التي حولت الوطن الى بيع في المزاد العلني .
طوى الجريدة في نرفزة , مقطب الوجه ,لاعنا سرا كل شيء .
يطل مساءا من شاشة التلفاز الكريمة , انه أبو نضال لاتخطئه العين البصيرة ,رغم التغييرات التي أحدثها على مظهره , هكذا بدا وهو واقف أمام المكرفون ينتظر أسئلة الصحافيين ببذلة رسمية تتوسطها ربطة عنق لامعة , شعره براق كأنما غطسه في قدر من العسل , حذاءه يخطف البصر , ووجه منتفخ الأوداج مصبوغ بألوان شتى.
يسأله الصحافي الأول ..
_ما هي حصيلة عملكم الحكومي ؟
بصوت هادئ لا رائحة فيه للأعصاب والتشنج , يجيب أبو نضال ..
_ حكومتنا الموقرة و المناضلة فتحت أوراش عدة , واستطاعت بفضل مجهوداتها المشهودة ان تنمي البلاد , مما جعل حصيلتها اكثر من مقنعة.
تقدم الصحافي الثاني وسأله..
_ماذا عملت حكومتكم المباركة من أجل آلاف العائلات التي شردت بسبب تسريح العمال من شركة النجاة ؟
مبتسما يجيب ..
_ حكومتنا الميمونة عملت جميع التدابير و الاجراءات المناسبة للحفاظ على الهدوء العام , وسوف ينفرج الوضع باذن الله.
سأله الصحافي الأخير قائلا..
_ماذا تقولون في التدخلات الأمنية التي طالت المعطلين يوم أمس ؟
_هذه الشرذمة العاقة لوطنها تستحق أن يسلط عليها أقسى عقاب بخرقها للقانون , وسوف نجتث كل من سولت له نفسه التظاهر أمام قبة الولي الصالح , وبه علم.
وفي المقهى المعتادة , كان الأصدقاء يقهقهون ويسخرون من واقع مغربي عجيب !.
بقلم ..البعزاتي رشيد