الحلــــقـــــــــــة 13
هـــذا ... غيض من فيض
كانت النقود عملة نادرة جدا وقليلة التداول ،لا تصرف إلا خارج الدوار وللضرورة القصوى.
ما يطغى على تعاملهم هو التبادل والاقتسام ،ولو أن الدوار يتشكل من مجموعة من الأسر، فإنه في الواقع أسرة واحدة كبيرة، يعرفون عن بعضهم البعض كل كبيرة وصغيرة،يستطيع أي شخص في الدوار أن يحصي لك، عدد الصحون المتواجدة لدى الأسرة الفلانية، أو إن كانت تملك مذياعا أو راديو كاسيط ، وتاريخ اقتنائه ،ومن اقتناه،ونوعيته. كلها معلومات على كل لسان ،متداولة مجانا، حتى المرأة الحامل، فإن نساء الدوار يعلمن بتاريخ حملها وتاريخ وضعها المرتقب (لا غرابة إطلاقا) والأشد غرابة أنهم لا يأبهون بالفقر ،غير عابئين بقساوة الطبيعة وشُحِّها، تغمرهم السعادة ، يتحينون أدنى مناسبة للتعبير عن غبطتهم وسعادتهم بإقامة حفلات أحواش ويتغنون بالحب والأمل في كل وقت وحين، الجبال أحجار وحصى، عارية غير مكسوة، الأرض جرداء ، الزراعة شبه منعدمة لقلة الأراضي الصالحة ، اللهم بعض الأمتار المربعة لكل أسرة تدعى مجازا" إيكران" بمعنى الحقل ،المحاذي لمجرى النهر الجاف أصلا
فيَغرِسُ الأمازيغيُ في ذاك الحوض الشبيه بحديقة المنزل، بعضا من الفلفل أو الطماطم أو البصل أو النعناع حسب الحاجة، بالاعتماد على المعول والسقي بالساقية(قناة)، ويتبادلون المنتوجات فيما بينهم(طماطم مقابل بصل وهكذا. . .)
حتى الأعمال الكبرى مثل بناء بيت أو حفر بئر أو ماشابه ذلك، والتي تحتاج إلى أجير، فإنها أعمال غير مؤدى عنها، بمثابة سلف، يستعيض كل أجير بنفس المدة الذي قضاها عند المشغل بمثلها وقت ما شاء( سلف لأيام عمل، بلا أنتيري)ويتبادلون الأدوار فيما بينهم، عامِلُ اليوم يصبح مُشغِّلا غدا. ومُشَغِّل اليوم يصبح عاملا غدا
أدركت مع توالي الأيام أن ما نقوم به كأساتذة لا يرقى لمستوى التعليم المنشود والمسطر،بدا لي أننا نحارب فقط الأمية ،نعلِّم التلاميذ مبادئ القراءة والكتابة والحساب وبعض الحروف باللغة الفرنسية، وهذه هي سياسة الدولة في غياب الإعدادية ( واحدة ووحيدة،متواجدة بمدينة طاطا 90 كلم بيست) وغياب الداخليات، والعزلة ،و انعدام الطرق والمواصلات ،وعدم ملاءمة البرامج للوسط الأمازيغي(واضع البرنامج لم يستحضر حاجات التلاميذ وخصوصيات المنطقة)
الإنقطاعات تبدأ من المستوى الثالث وتصل ذروتها المستوى السادس الذي لا يصله إلى اثنان
الأساتذة كل واحد يلغي بلغاه، يتدبرون أمورهم بأنفسهم في غياب تأطير وتكوين وتتبع، صراحة :
ما هكذا تورد الإبل ياناس
و الساكنة تقنع بتعليم أبنائها مبادئ القراءة والكتابة والحساب تنفعهم في التجارة أثناء العمل في الدكاكين،
فحتى هؤلاء المتخرجين من أقسامنا فشلوا في العثور عن شغل في الدكان، ذلك أني لما سألت تاجرا قَدِم من مدينة البيضاء، عن حال تلميذ كان نجيبا عندنا، وهل تكيَّف مع التجارة، أجابني متحسرا:
ـ إنه لا يصلح للحانوت
ـ ولِمَ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ـ يعرف يومي السبت والأحد والسينما
وهي مفاهيم نروجها في تعليمنا، في حين أن العمل في الحانوت في نظرهم، يتطلب الجهل بأهمية الراحة يومي السبت والأحد، والمطالبة بالسينما قمة التبذير ومضيعة للوقت،و بناء المستقبل يستوجب العمل طيلة السنة دون توقف
يبقى السؤال مطروحاـ والحالة هاته ـ ماذا حققنا نحن الأساتذة في مهمتنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ـ في رأيي :لا شيء
نضيع شبابنا وطاقتنا في لاشيء
إنها نتيجة منطقية لسياسة ينطبق عليها قول الفنانة اللبنانية:
شَخْبِط ،لَخْبِط ( ليس على الحيطان بل على الورق)، وكنا بدورنا من ضحاياها لإحساسنا بالإحباط
لرؤية مجهوداتنا تذهب ـ مأسوف عليها ـ أدراج الرياح
الله يحدْ الباس . . .