حكاية مدن عاقبها المخزن لأسباب «تاريخية» - منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية
تسجيل جديد
أبرز العناوين



أدوات الموضوع

الصورة الرمزية العصيمي
العصيمي
:: مراقب عام ::
تاريخ التسجيل: 20 - 7 - 2011
المشاركات: 2,056
معدل تقييم المستوى: 390
العصيمي في تميز متزايدالعصيمي في تميز متزايدالعصيمي في تميز متزايدالعصيمي في تميز متزايد
العصيمي غير متواجد حالياً
نشاط [ العصيمي ]
قوة السمعة:390
قديم 15-05-2013, 21:23 المشاركة 1   
Arrow حكاية مدن عاقبها المخزن لأسباب «تاريخية»

حكاية مدن عاقبها المخزن لأسباب «تاريخية»




أشهرها بودنيب وهرمومو وأزمور وميسور وجرادة وتنغير



ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ



كثير من المدن المغربية تقضي عقوبة حبسية غير صادرة عن هيئة قضائية، تعاني المنع من ركوب صهوة التنمية، عقابا لها على فعل أدانها وصادر أوراشها وحال دون تأهيلها. وحين طالت المصادرة، اختار السكان أبغض الحلال إلى السلطة وقرروا الاحتجاج والعصيان، وطالبوا بجبر الضرر. غالبا ما تنتهي لقاءات الغاضبين مع السلطات بتعهد بإيصال أصواتهم إلى الرباط والإفراج عن المدينة وإنهاء عقوبة «التّهميش» الّذي يطالها. المدن كالإنسان، تبتلع آلامها، تصمد ضد التجريح، لكنها تنتفض بعد عن اكتوت بنار الإقصاء. تعاقب المدن والمداشر لتاريخها، ويؤدي ضريبة العقاب سكان لا علم لهم بالتاريخ، لأنهم لم يختاروا مسقط رؤوسهم.



حينما احتج بعض وزراء الحسن الثاني لكون وزير الداخلية إدريس البصري حمل الكثير من المشاريع التنموية لمدينته سطات، لدرجة أنه صنع لها امتدادا على شاطئ المحيط الأطلسي، وأضحت بقوة أقوى وزراء داخلية المغرب الحديث، مدينة شاطئية، لم يجد الملك الراحل من رد غير أن يقول للغاضبين لو أن كل وزير أنجز لمدينته ما تحتاجه من مشاريع للتنمية، لأصبح المغرب جنة.

غير أن هذا المنطق، الذي تحدث به الحسن الثاني على عهد تلك السنوات التي كانت فيها سلطة إدريس البصري أقوى من سلطة الحكومة والبرلمان، لم يشفع لعدد كبير من المدن المغربية لتعيش عزلة مكشوفة، وإقصاء مثيرا دفع ساكنة هذه المدن لتطرح السؤال: ما الذي حدث؟


فمن بودنيب، التي لم يكن ذنبها غير أنها مدينة أنجبت الجنرال الدموي أوفقير، إلى هرمومو، التي كانت تضم تلك المدرسة التي قاد تلامذتها انقلابا على الحسن الثاني، إلى أزمور، التي قيل إن ساكنتها لم تبايع العلويين حينما أخذوا زمام الحكم، مرورا بمدن همشتها سياسة الحكومات المتعاقبة، والتي لم تفكر في صيغ لإخراجها من عزلة قاتلة، كما هو حال مدينة جرادة مثلا أو سيدي قاسم، التي كانت تهمتها هي أنها مدينة احمد الدليمي.


لائحة المدن المنبوذة في المغرب بالعشرات, بعضها منبوذ بسبب خطأ سياسي، والبعض الآخر، لأنها كانت فقط مسقط رأس شخصية أغضبت نظام الحكم في فترة من فترات تاريخ المغرب الحديث. والحصيلة هي أن جل الذين يتعاقبون اليوم على تدبير وتسيير هذه المدن، خصوصا من قبل رجال السلطة والإدارة الترابية، يجتهدون في تطبيق تعليمات، هي مجرد أوهام تعشش في مخيلاتهم، من أن القصر غاضب من هرمومو أو أزمور أو بودنيب أو ميسور، ولذلك لا بد أن يجتهدوا في الضبط والقمع، أكثر مما يجتهدون في البحث عن صيغ لتحقيق التنمية لهذه المدينة أو تلك.
في هذه الحكايات، محاولة لرفع الطوق عن عدد من المدن التي يتوفر لبعضها تاريخ عريق، لكن واقعها لا يزال يعيش البؤس والفقر والتهميش.


وفي هذه الحكايات، محاولة لتصحيح الصورة التي قد تعلم المسؤولين من مختلف درجات المسؤولية، أنه لا ذنب لمدينة بكامل ساكنتها إذا كانت قد أنجبت أوفقير أو الدليمي، أو أن قدماءها لم يبايعوا العرش العلوي في زمن سحيق.


أزمور.. مدينة التاريخ لكن بدون جغرافية


يتداول الأزموريون نكتة مريرة تقول إن المدينة تجر خلفها تاريخا عريضا وكبيرا، لكنها للأسف بدون جغرافية.
ولم يعد الأمر سرا أن أزمور، التي تقدمها التقارير الرسمية على أنها مدينة شاطئية، هي بدون بحر ولا هم يحزنون، بعد أن التهمت جماعة قروية مجاورة خيرات هذا البحر.
وليس سرا أيضا أن نهر أم الربيع، الذي اعتبره الأزموريون هبة المدينة، لم يعد تابعا إداريا لها.
والحصيلة هي أن المدينة حوصرت وقصت أجنحتها وأضحت تعيش على بعض تاريخها الكبير، بعد أن ضاعت جغرافيتها وضاع حاضرها.
كان لا بد أن يطرح السؤال حول سر كل هذا التهميش الذي تعاني منه المدينة، التي وجدت قبل أن توجد عاصمة الإقليم الجديدة، حيث يحتفظ بعض الأزموريين بظهير لأحد السلاطين يطلب فيه من إمام المسجد الأكبر بأزمور أن ينتقل إلى الجديدة، بعد أن ينتهي من الصلاة، ليؤم بها صلاة الجمعة، "كحومة من حومات أزمور".
يتداول الكثيرون أن سبب كل هذه المعاناة تعود إلى أن قدماء المدينة لم يبايعوا سلاطين الدولة العلوية في بداية عهدهم، وأنهم كانوا لا يزالون يحنون إلى عهد الدولة البورغواطية، التي كانت أزمور عاصمة لها.
تحكي كتب التاريخ كيف أن أزمور ظلت عاصمة لمملكة بورغواطة، التي كانت تمتد من سلا إلى تخوم آسفي، وأن رجلا ادعى النبوة من ساكنة المدينة يقال له صالح، وأنه قال لأتباعه إنه يقترح عليهم إسلاما جديدا أقوى من الإسلام الذي جاء به مسلمو الجزيرة العربية، الذين لم يكن همهم غير ما يكسبونه من فدية وجزية. أما إسلام أهل أزمور ونبيها صالح، فقد كان يعتمد على أداء عشر صلوات، نصفها نهارا والنصف الثاني ليلا. كما أن إسلام أزمور هو صوم شهر شعبان وليس رمضان.
كما أجاز النبي صالح لأتباعه التزوج بما ملكت الأيمان، وأن العدد غير محدد في أربعة. وهو إسلام ظلت أركانه سائدة في كل مملكة بورغواطة، التي لم تحظ بالكثير من القراءة والتتبع.
هذه هي الخلفية التي جعلت الكثيرين يقولون اليوم إن أزمور عانت وتعاني بسبب تاريخها. ولذلك فإن الكثير من المتتبعين ظلوا يراهنون على أن العمالات الأخيرة التي تم الإعلان عنها، قد تكون من بينها هذه المدينة، والتي كان يمكن أن تضم عددا من الجماعات القروية المجاورة إذا ما قورنت مع مدن تحولت إلى عمالات وهي بدون تاريخ.
اليوم، تعاني أزمور من كل الإكراهات. ومن تم فهي بدون ملامح. فلا هي مدينة اختارت المجال الصناعي لتمتص البطالة المتفشية بين ساكنتها، ذكورا وإناثا، ولا هي رسمت لنفسها أفقا للسياحة، رغم أنها تتوفر على الكثير من المؤهلات في هذا المجال، بتواجد مدينة قديمة تحيط بها الأسوار المطلة على نهر أم الربيع، وبتواجد غابة شاسعة مجاورة للمحيط الأطلسي. والحصيلة هي أنها أضحت، أو هكذا أريد لها، مدينة للأولياء والصالحين. وأصبح كل نشاطها ممركزا حول الظاهرة، مع ما يرتبط بها من ممارسات فيها الدعارة والسحر والشعوذة.
ولا غرابة أن تعرف أزمور اليوم بضريحي مولاي بوشعيب وعائشة البحرية، أكثر مما تعرف بأنها مدينة مصطفى الأزموري، المعروف بـ"ستيبانيكو"، أول مكتشفي أمريكا قبل كريستوف كولومبوس، أو مدينة المفكر عبد الله العروي، الذي وثقها في كل أعماله الأدبية وسماها في روايات "الغربة" و"اليتيم" و"أوراق" و"الفريق" بـ"الصديقية".
أزمور، اليوم، هي مولاي بوشعيب، الذي "يعطي العزارا" للواتي لا ينجبن الذكور. وهي مدينة عائشة البحرية التي تساعد العوانس على الزواج.
في مؤلفه "معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار"، كتب لسان الدين ابن الخطيب، الذي لقب بذي الرئاستين وذي الوزارتين حينما زار أزمور: "قلت فأزمور، قال جار واد وريف، وعروس ربيع وخريف، وذو وضع شريف.. ساكنه نبيه، ولباسه بتخذ فيه، وحوت الشابل ليس له شبيه".
اليوم اختنق النهر وهجر الشابل، الذي كان الأزموريون يبعثون لملك البرتغال منه جزية قيمتها 10 آلاف "حوتة شابل" سنويا.
لذلك ستظل تلك النكتة المريرة التي تتحدث عن التاريخ والجغرافية، هي ملاذ ساكنة أزمور في انتظار أن يرفع الغم ويأتي الفرج.


ميسور.. معتقل بوعبيد واليازغي ولحبابي والعلوي


لم يعرف كثير من الدارسين لتاريخ المغرب اسم مدينة ميسور إلا في شهر شتنبر من سنة 1981، حيث حل بها ضيوف من العيار الثقيل، إثر قرار السلطات العليا للبلاد باعتقال الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد الحبابي، وكذا محمد اليازغي، بعد إدانتهم بالسجن سنة واحدة، قضوا نصفها بسجن ميسور قبل أن يتم إطلاق سراحهم،. لم يفهم أحد سر إحالة قياديي الاتحاد الاشتراكي على سجن في مدينة ميسور الراقدة على وسادة النسيان، لكن الجميع يعرف البيان الذي أصدره المكتب السياسي حول قضية الصحراء، الأمر الذي أزعج المخزن فسارع إلى البحث عن معتقل في مدينة تعاني من العزلة. لكن ميسور استضافت منفيين آخرين قبل هذا التاريخ، أشهرهم الشيخ محمد بن العربي العلوي، إثر مواقفه البطولية ضد الاستعمار وأتباعه، حيث قررت فرنسا نفيه إلى قرية القصابي ثم إلى مركز ميسور.
حسب شارل دوفوكو، فإن ميسور شكلت الاستثناء، إذ لم تكن خاضعة للدولة المغربية، وكانت «تسير شؤونها بنفسها، وفق نظام قبلي ضم عددا من القصور والدواوير والقصبات، التي اتخذت من بطن وادي ملوية وروافده مستقرا ومقاما لها، وكان تعداد ساكنة هذه القصور حوالي 6000 نسمة، اتخذت من المجال السهبي فضاء مخصصا للرعي والترحال».
ارتبطت ميسور في أذهان الموظفين بالإجراءات التأديبية، حتى تحولت إلى منفى يقضي فيه كثير من المحكومين بعقوبات تأديبية ما تبقى لهم من وقت في زمن الوظيفة العمومية، لكن فعاليات المدينة تصر على أن ميسور وبولمان وأوطاط الحاج يشكلون مثلث بيرمودا، الذي يبتلع مشاريع التنمية، ويجعل التهميش والعزلة والإقصاء عنوانا لمنطقة في المغرب العميق، حيث يقضي سكانها يومهم في ابتلاع الهموم والاكتواء بنار غلاء الأسعار وانعدام الأمن وضعف الخدمات العمومية والبطالة والإقصاء الاجتماعي بشكل عام. قدر ساكنة ميسور أن يعيشوا حالة استفزاز، حين يكتشفون أن غالبية المواطنين لا يعرفون موقع المدينة، التي لم ترتبط تاريخيا بحدث يمنحها الإشعاع التاريخي، فيكون السؤال المحرج «أين توجد ميسور؟» دليلا على خروج المنطقة من مفكرة الناس، لهذا حققت المدينة أعلى نسب هجرة لشبابها نحو المغرب «النافع»، في انتظار أن تستفيد ميسور من جبر الضرر الجماعي، عبر إدماجها في بوثقة الاقتصاد الوطني وبرمجة مشاريع اجتماعية ودعمها بامتيازات جبائية وخدمات عمومية استثنائية، كفيلة بضمان العيش الكريم لسكانها.


وزان.. مدينة الشرفاء التي قاطعها الحسن الثاني


ارتبطت مدينة وزان بالشأن الروحي، فهي دار الضمانة ومعقل الشرفاء، لكن ماء التنمية لم يغسل وجهها المغبر، وحين يصل سكين القهر إلى عظم المواطن الوزاني، يبتلع مرارته بكسرة خبز مبللة بالزيت البلدي، ويدعو أولياء الله الصالحين اللطف بما جرت به الأقدار.
عزلة المدينة الجغرافية وعزلتها التنموية حركا المجتمع المدني، الذي خرج عن صمته وقرر الاحتجاج، بعد أن ظل الوزاني مرادفا للورع والتقوى والرضا بالقدر خيره وشره. قرر الانتفاض ضد وضع رمى به في آخر ترتيب سلم التنمية، طالب بحقه في العيش الكريم وأزاح جلباب الخوف أمام سلطة إقليمية تتدبر شأن المدينة عن بعد. حين ينتابهم الإحباط، يهرب الوزانيون صوب المقاهي التي تتناسل بشكل سريع، لشرب كؤوس الشاي و«قتل» الوقت بممارسة لعبة الورق، وعلى امتداد أشواط المباراة، يتجاذب رواد المقاهي الحديث حول أوجه الهشاشة التي تضرب فئات واسعة من السكان في هذه المدينة الجبلية التي تتوفر على كل المقومات السياحية، شريطة الإفراج عنها من العقوبة الحبسية التي اعتقلت نماءها.
تقول الروايات إن سلاطين المغرب كانوا يتحاشون زيارة وزان، لأن كل من زارها يصاب بمكروه، ويقولون إنها آخر مدينة زارها محمد الخامس قبل أن يواري الثرى بعد أيام، لكن الملك محمد السادس زار المدينة مرتين، ومع كل زيارة تغسل دار الضمانة وجهها وتستعير ابتسامتها، وحين تنتهي الزيارة يستبدل الأثاث الجديد بأثاث قديم في انتظار زيارة أخرى قد تحمل معها خبر الإطاحة بمسؤول لم يركب قطار التنمية. بل إن مشاريع دشنها الملك منذ ست سنوات توقفت بمجرد بدايتها، أما سياسة الهدم والبناء، فلا تنتهي وكأن المدينة خرجت للتو من زلزال، بينما الهاجس الأمني فوق كل اعتبار، بعد أن تم تحويل دار للشباب ومركب للمرأة بأحد أحياء المدينة إلى مقاطعة. تقول بعض الروايات التاريخية إن سر تهميش وزان يرجع إلى «العلاقة المتوترة التي جمعت لعقود طويلة، الزاوية الوزانية بالسلاطين العلويين، حيث طمع مولاي عبد السلام الوزاني في عرش الملك الحسن الأول، نظرا لأن أصول الوزانيين تعود إلى فاطمة بنت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم».
في وزان، يهرب البعض من القلق والإحباط نحو بلسم «النفحة البلدية»، فهي أهون من الانشغال بوعود تولد ميتة.

بودنيب.. بأي ذنب قتلت ؟


جنى قبر الجنرال محمد أوفقير على ساكنة مدينة بودنيب، فطالها التهميش، فقط لأن في بطن تربتها يرقد رجل حاول قلب النظام، لذا تحاول المدينة أن تنتفض ضد الإقصاء وهي تتساءل بأي ذنب قتلت. قدر هذه المدينة الراقدة وسط سهول الشيح والريح، أن تلجأ إلى العصيان المدني، أملا في مكافحة الهشاشة التي تضربها، فهذه المدينة الصغيرة تعتبر نموذجا للأورام الاجتماعية، التي تعتبر برامج التنمية البشرية وصفة لها. تعاني المدينة من أبسط الضروريات، فهي بلا قنوات صرف عادمة وتعيش على إيقاع انقطاعات الماء والكهرباء، أما الشغل، فهو حلم لساكنة مدينة تؤدي ثمن انتماء جنيرال متمرد لها.
يعرف سكان المدينة أن مشاريع الخير والنماء تمر بمحاذاة مع بودنيب، وأن كثيرا من المؤسسات التنموية قد نبتت في مدن وقرى بأقل كثافة سكانية، ويعرفون أن السر في هذا التهميش يرجع لأوفقير، وكأن الجنيرال جر المدينة بعد مقتله إلى الفقر والإقصاء. في بودنيب، لازال السكان يطالبون بأبسط الضروريات كقنوات الصرف والحق في الماء والكهرباء وغرفة لتمدرس الأبناء وطريق لفك العزلة عن المنطقة. لكن أكبر فاجعة في هذا الربع النائي، هي التي يعيشها حملة اسم أوفقير، فهذا الاسم العائلي الذي يعرف به كثير من أبناء بودنيب، يكفي لإسقاطهم من لوائح التشغيل.
تنفس السكان الصعداء بعد زيارة الملك محمد السادس للمنطقة سنة 2009، وتدشينه مشروعا لتأهيل المدينة، وألح على أن ربط الأحياء بقنوات الصرف الصحي هو أولوية الأولويات، لكن التأهيل أخطأ موعده، وهو ما دفع ببعض السكان إلى اقتراح الهجرة الجماعية بحثا عن قنوات للصرف الصحي، وأملا في العثور على الكرامة، بعد أن أصبحت الساكنة تعيش قهر المناخ شبه الصحراوي، وقهر الإقصاء الاجتماعي.
طالبت جمعيات المجتمع المدني بجبر الضرر الجماعي، فاستجابت هيئة الإنصاف والمصالحة للمطلب وأوصت بأن يشملها البرنامج التنموي، لكن شبح الجينرال أوفقير لم يبرح المكان وظل مهيمنا، ليس فقط على بودنيب، بل على مسقط رأسه قرية عين الشعير، التي عاشت على إيقاع الاحتجاجات الشعبية حتى كادت أن تتحول إلى سيدي بوزيد المغربية، إثر إقدام حوالي 35 شابا على النزوح إلى الجزائر، بعد أن تخلصوا من البطاقة الوطنية، بسبب الاختناق بحبال العزلة والتهميش. فقط لأن بعضهم يحمل اسم أوفقير، المتهم بمحاولة قتل الملك الراحل الحسن الثاني، والبعض يعتبر سليل أسرته والبعض الآخر لا علاقة تجمعه بالجينرال إلا رابطة الانتماء لمدينة بوذنيب أو قرية عين الشعير، التي قدر لها أن تجلد بسياط القهر، رغم أن المدن لا تختار ما يخرج من أرحام ساكنتها.


هرمومو.. غيرت اسمها بسبب جرم لم تقترفه

لم يكن الذنب التي ارتكبته مدينة هرمومو هناك في جبال الأطلس المتوسط، سوى أنها ضمت مدرسة عسكرية عرفت باسمها، وهي نفس المدرسة التي سيقود مديرها، محمد اعبابو، انقلابا على الملك الحسن الثاني بواسطة 1400 من طلبته.
ففي 1968، عين اعبابو مديرا لهذه المدرسة. وفي 1971، أي ثلاثة سنوات بعد التعيين، سيقود انقلابا ضد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أصبح اسم هرمومو يخيفه. لذلك سيقرر إغلاق هذه المدرسة، وتوزيع كل طلبتها على بعض القطاعات، خصوصا ذات الطابع الاجتماعي، بعيدا عن سلك الجندية، بعد أن أصبحوا مشاريع انقلابيين. أما المدينة، فقد تقرر أن يتغير اسمها لتصبح بعد العملية الانقلابية «رباط الخير». سيكون هذا التغيير المثير بداية للحصار الذي ضرب على المدينة والمنطقة. وأصبحت كل مجالات التنمية اقتصاديا واجتماعيا تقفز على هرمومو، وكادت الساكنة تنسى هذا الاسم، وتتعود مكرهة على الاسم الجديد الذي حمل اسم الخير، دون أن يأتيها هذا الخير. تقع هرمومو بالقرب من جبل «بويبلان» بأعلى قمة بالأطلس المتوسط على علو3190 مترا، وهو الجبل الذي تكسوه الثلوج إلى حدود شهر يونيو، مما يجعل المنطقة مكانا لعدد من عيون المياه العذبة والمعدنية كعين الروح، وعين الجوع، ومياه عين تيبخباخين، خصوصا أنها مصدر منابع نهر سبو. لذلك، ظلت ساكنة المنطقة ولا تزال تمني النفس بجعل المنطقة قبلة سياحية بامتياز، وهي التي تتوفر على كل مؤهلات ذلك.
ومن علامات الإقصاء والتهميش، التي لا تزال هرمومو تعاني منها بسبب حكاية انقلاب طلبة مدرستها العسكرية، هي أن مشروع سد أزغار على واد القرية، أحد روافد سبو، لا يزال مجهضا، وهو الذي كان من شأنه أن يسقي مئات الهكتارات بإقليم صفرو.
بل إن جبر الضرر الذي استفادت منه العديد من المناطق التي عانت على عهد سنوات الرصاص، لا يزال حلما يراود سكان هرمومو، الذين اعتقدوا أن الخير الذي أصبح جزءا من اسم مدينتهم، سيعم عليهم كثيرا. لذلك، ذهبت كل المبادرات التي قادها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وهيئة الإنصاف والمصالحة أدراج الرياح. لقد ظل المسؤولون يرون في هذا الفضاء مصدر إزعاج، على الرغم من أن هرمومو مسحت من دفاتر الحالة المدنية للمنطقة وحل محلها رباط الخير، وإن لم تمح هرمومو من ذاكرة الساكنة، التي استيقظت ذات صباح على خبر تغيير الاسم، وكأن المدينة هي التي قادت انقلاب الصخيرات. رباط الخير اليوم، لا تزال هي تلك المدينة نفسها، أو القرية المطلة على مرتفعات جبل بويبلان، والتي يبلغ عدد سكانها أزيد من 20 ألف نسمة. وهي التي لا تزال تعيش في فضاء تنعدم فيه جل المرافق العمومية. وتعيش في مجملها على دخل المتقاعدين من صفوف القوات المسلحة الملكية من أبناء المنطقة والذين يتجاوز عددهم 2000 متقاعد. غير أن التهميش الذي طالها لعشرات السنين، لم تجد له الساكنة من تفسير غير أنه اللعنة، التي لم تطل فقط الجنود والضباط الذين مروا من المدرسة التي حملت اسم المدينة، بل إنها طالت أيضا الفضاء برمته فيما يشبه العقاب الجماعي لمواطنين، ذنبهم الوحيد أنهم من أبناء
هذا الفضاء.


وادي زم.. أوصى بها المستعمر شرا


قدر مدينة وادي زم أن تعيش حياتها الرتيبة في سفح التلال وكأنها لازالت تخفي وجهها عن المستعمر الغاضب، رغم أنه مضى زمن طويل على الاستقلال. في مدخل المدينة، تصادفك علامة تشوير تذكرك بوجود مقبرة، نادرا ما تضع المجالس المنتخبة ومصالح وزارة التجهيز علامة خاصة بمقبرة، لكن في «زمايم»، وهو اسم «الدلع» لأبناء المدينة، للقبور تاريخ، فهي مرادف للشهامة بين قبائل السماعلة وبني خيران وأولاد سمير، الذين جعلوا وادي زم مدينة للشهداء.
يصر شاب، قال إنه لاعب سابق في حركة 20 فبراير، على ربط المدينة بالثورة، وأضاف بأن أسلافه حكوا له عن حضارة وادي زم، وأكدوا له أن المستعمر أوصى بها شرا. «إن أكبر دليل على ارتباطها بالشهامة والإقدام أن معنى التسمية يرمز لوادي ملك الغابة، لأن زم كلمة أمازيغية تعني الأسد، كانت في عهد الاستعمار من أهم حواضر المغرب ولقبت بباريس الصغيرة وأقيمت بها بحيرة على شكل خريطة فرنسا وضع في وسطها مجسم أسد».
ويقول رجل طاعن في السن وهو يروي ما علق في الذاكرة من حضارة الوادزميين، إن قرية صغيرة تطل على المدينة كانت أول تجمع قروي يتم ربطه بالكهرباء في الخمسينيات، وتدعى «لاكار الحمص»، وهو ما يعرف الآن بأربعاء لكفاف، بل إن وادي زم وصلها القطار قبل أن يصل كبريات المدن المغربية، مما يدل على قيمتها التاريخية والاقتصادية في تلك الحقبة الزمنية. لكن انتفاضة قبائل المنطقة ضد المستعمر الفرنسي في 20 غشت 1955، وضعت المدينة في لائحة الممنوعين من التنمية، إذ طال التهميش حاضرة السماعلة وبني خيران وأولاد سمير، التي همشت بمجرد الاستقلال على كل المستويات سياسيا واقتصاديا وعمرانيا، لأن المدينة لازالت تؤدي فاتورة نضال أبنائها وجبروتهم.
يعتبر شارع 20 غشت القلب النابض للمدينة، وفي مقاهيه تشم رائحة النضال، إذ أن أشرس الثورات كانت في وداي زم، حين عرفت الأزقة مجزرة شرسة ضد الفرنسيين، الذين كانوا يستقرون بكثافة فيها فلقبوها بـ«بتي باري». تقول الكتابات التاريخية إن السلطات الاستعمارية نزلت بكل ثقلها لتخليص رعاياها من غضبة الوادزميين، فاستشهد أزيد من 5 آلاف مغربي، بينما تكبد المستعمر خسائر في الأرواح، فالمئات من رعاياه قتلوا ببشاعة، وسط حصار للمدينة وتعتيم إعلامي رهيب. ويرى قدماء مقاومي المدينة أن قرار الفرنسيين إرجاع الملك محمد الخامس من منفاه كتب بدماء شهداء وادي زم الطاهرة.
لكن المستعمر لم ينس المذبحة، وأوصى السلطات شرا بهذه المنطقة، التي عانت من لعنة التهميش والإقصاء والفقر، عقابا لها على مجزرة ارتكبها الأبطال في حق الفرنسيين القاطنين بوادي زم آنذاك، لذا لا يمكن لـ«العيطة» أن تغفل الحدث وهي تؤرخ بالحناجر للحدث الدامي، «فين يامك ياوادزم/الزناقي تجري بالدم».


سيدي قاسم.. صلاة الـجنازة على الدليمي والتنمية

عندما مات الجنيرال أحمد الدليمي، سقط فريق الاتحاد القاسمي لكرة القدم إلى دوري المظاليم، وأغلقت مصفاة تكرير البترول أبوابها، واختفت معالم الرفاه عن المدينة، وحده الولي الصالح سيدي قاسم بوعسرية، ظل حاضرا في الأذهان وهو يحاول استرجاع سلطته الدينية ضدا على نوايا السلطة الإدارية. في سنة 1981 انتقلت سيدي قاسم من بلدية تابعة لإقليم القنيطرة إلى عمالة، وكان الجنيرال الدليمي وراء القرار، بل ظل يطلع على اسم العامل قبل تعيينه، لأنه هو العامل الحقيقي للمدينة التي ولد فيها وترعرع في دروبها. ومن الطرائف التي ارتبطت بارتقاء المدينة إلى مستوى عمالة، وجود صراع ظاهر بين سيدي سليمان وسيدي قاسم للظفر بمقر الحكم، قبل أن تنتصر إرادة الدليمي على الراضي الذي أوصى بتبعية مدينته سيدي سليمان إلى القنيطرة، رغم أن المسافة الرابطة بين بتي جان ومعقل الاتحادي لا تزيد عن 30 كيلومترا.
كان الاستعمار الفرنسي يصر على تسمية المدينة بـ«بتي جان»، وكانت عبارة عن منطقة غنية بمواردها المائية والفلاحية، وبفريقها الكروي، الذي وصل إلى نهائي كأس العرش، لكن سيدي قاسم ارتبطت في الأذهان بالجنيرال القوي في عهد الحسن الثاني.
بعد سنتين على إنشاء العمالة، جاءت الوفاة الغامضة لأحمد الدليمي، مما جعل أبناء المدينة يستعدون لعهد جديد، يؤدون فيه ضريبة انتماء الجنرال لهذه المنطقة، وأيقنوا أن الحصار السياسي والاقتصادي والاجتماعي آت لا محالة، لاسيما بعد أن أغلقت المصانع أبوابها خوفا من تهمة «عدم التبليغ»، فعمت المدينة حالة ركود وأغلقت بعض الفنادق أبوابها ولم يشفع لسيدي قاسم انتماء مناضل شهيد من قيمة العقيد العلام لتربتها، إذ كان نصيبه اسم على ملعب بلدي. لم ينفصل سيدي سليمان وحده عن حكم سيدي قاسم، بل إن وزان ارتقت إلى درجة إقليم تابع لجهة طنجة- تطوان بدلا من جهة الغرب، وكرس المكتب الوطني للسكك الحديدية عزلة المدينة حين قرر تغيير مسار القطارات في مدينة مشرع بلقصيري بدل سيدي قاسم، كما كان الشأن في السابق.


حسن البصري - أحمد امشكح
جريدة المساء









آخر مواضيعي

0 النتائج الكاملة للحركة الانتقالية التعليمية بأسماء المؤسسات التعليمية 2017
0 تلميذ نابغة مخترع يذهل أساتذته بمدينة طاطا
0 صفرو / دورة تكوينية في تجديد تدريس الرياضيات
0 زاكورة : وقفة احتجاجية تضامنا مع الأطر الإدارية والتربوية المعفية
0 خبر غير سار لهيئة التدريس قبل الحركة الانتقالية!
0 تابع صور معلم من تايوان يبدع برسم تشريحي لجسم الإنسان على السبورة!
0 خصاص 20 ألف منصب سيخلفه التقاعد الموسم المقل
0 رغم تشديدات الوزارة: تسريبات امتحانات البكالوريا مستمرة
0 بحوث طلبة كلية مرتيل في صناديق قمامات الأزبال
0 تعاضدية التعليم : عندما يصبح النقابيون لصوصا للمال العام :: ملف كامل

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« قصيدة للسيد وزير التربية الوطنية | كثيرون حول السلطة قليلون حول الوطن »
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
براد المخزن ابو ندى دفاتر المواضيع العامة والشاملة 0 10-12-2011 21:49
حكاية أستاذة حكاية مؤلمة أمواج دفاتر أخبار ومستجدات التربية الوطنية و التكوين المهني 0 13-09-2011 19:48
النقط المحصل عليها donia التوجيه و الإستشارة 16 27-06-2009 22:22
المخزن خرج على الطريق mottalib الأرشيف 2 20-10-2008 15:55
سوبيرمان المخزن... abouayoub دفاتر المواضيع العامة والشاملة 0 23-01-2008 21:37


الساعة الآن 19:22


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر تربوية © 2007 - 2015 تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة