تعريف الحقيقة عند الحافظ السيوطي- من كتابة تأييد الحقيقة العلية....
"19- علم الحقيقة v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} فصل 19
ويظهر لي أن أهل هذا الشأن إنما سموا علمهم علم الحقيقة أخذا من لفظ الحقيقة في هذا الحديث, وقد ظهر لي أن نسبة علم الحقيقة إلى علم الشريعة كنسبة علم المعاني والبيان إلى علم النحو, فهو سره ومبني عليه فمن أراد الخوض في علم الحقيقة من غير أن يعلم الشريعة فهو من الجاهلين, ولا يحصل على شيء, كما أن من أراد الخوض في أسرار علم المعاني والبيان من غير أن يحكم النحو فهو يخبط خبط عشواء, وكيف يدرك أحوال الإسناد والمسند إليه والمسند ومتعلقات الفعل من لم يعرف المبتدأ من الخبر, والفاعل من المفعول؟ هذا بين لكل أحد. والحقيقة سر الشريعة ولبها الخالص, كما أن المعاني والبيان سر النحو ولطائفه.
والتصوف فقه بلا شك, فإن أكثره تكاليف واجبة ومندوبة, ومنها محرمة ومكروهة. وقد نص على أن أبواب التصوف من الفقه جماعة من أهل الأصول حيث ذكروا حد الفقه, ووافقهم ابن السبكي في جمع الجوامع, وضم إليه مسائل أصول الدين التي يجب اعتقادها, فقال: إنها عندي فقه.
واعلم أن دقائق علم التصوف لو عرضت معانيها على الفقهاء, بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان وكانوا أول قائل بها, وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها, ولهذا قال بعضهم: الحقيقة أحسن ما تعلم, وأقبح ما يقال. وأنا أورد لك مثالا تعرف (منه) صحة ذلك.
قال في منازل السائرين: حقيقة التوبة ثلاثة أشياء: تمييز الثقة من العزة, ونسيان الجناية, والتوبة من التوبة أبدا. فإذا سمع الفقيه هذا اللفظ, وهو "التوبة من التوبة" استغربه جدا, وقال: كيف يتاب من التوبة, وهي عمل صالح, وإنما يتاب من المعاصي.
وتقرير معناه: أن العبد إذا كمل في رجوعه إلى الله لم يلتفت إلى أعماله, ولم يسكن إليها بقلبه, توبة كانت أو غيرها, فيتوب من سكونه إلى توبته.
ويزاد إيضاحا أن التوبة وإن كانت من كسب العبد فهي من خلق الله وتوفيقه, فهو التائب عليه, ولو لم يتب عليه لما تاب, قال تعالى: {ثم تاب عليهم ليتوبوا} فأي صنع للعبد في التوبة أو غيرها, وهو الذي وفقه الله لفعلها؟ فرؤية العبد التوبة من نفسه ذنبه يستغفر منه, بل عليه أن يشهد محض منة الله عليه بها, وتوفيقه لها, ويلغي نفسه أصلا عن درجة الاعتبار. وهذا مقام الفناء في التوبة, وهي أول منازل السائرين, ويقاس به مقام الفناء في التوحيد, فلا يشهد في توحيده صنعا, بل محض منة الله عليه به, وتوفيقه.
وهذا المعنى إذا عرض على الفقيه بهذه العبارة المألوفة كان أول قائل به وناصر له, لأن الفقيه السني يقاتل على إثبات الأفعال لله ونفيها عن العبد, مخالفة للمعتزلة والقدرية ونحوهم, ممن زعم أن العبد يخلق أفعاله, وأن الانتقال مخالفة."