قصص الأطفال.. دور هام في تنمية الجوانب العقلية والنفسية واللغوية والمعرفية لدى الطفل

يلعب السرد القصصي دوراً هاماً في حياة الطفل وبناء شخصيته وتنمية وعيه لأنها تقدم له الشيء الغريب الذي يوسع آفاقه وإدراكه أمام ما ليس يعرفه فتترك أثرها في نفسه التي تزداد قوة عندما تبدأ بالبحث ما وراء هذه القصص حتى ولو كانت خيالية ناهيك عن المثل والقيم التي تصبح جزءا لا يتجزأ من شخصيته المتنامية.
وللقصة دور هام في اكتساب الطفل للمفردات اللغوية السليمة وتصحيح النطق اللغوي فيصبح أكثر تحكماً في مخارج الحروف وأكثر إتقاناً في نطقه للكلمات وفي الوقت نفسه تزيد من الحصيلة اللغوية لديه من خلال كلمات القصة وعبارات اللغة العربية وتعويده النطق السليم فعندما يكتسب الطفل المفردات اللغوية يتكون لديه محصول لغوي لا بأس به ويصبح قادراً على تركيب الكلمات والجمل ثم يصبح قادراً على اكتساب المهارات اللغوية من قراءة وكتابة ومهارة الاستماع والتحدث وبذلك يصبح عند الطفل طلاقة لغوية.
كما تعتبر قصص الأطفال من أهم المصادر الثقافية للطفل لما تتمتع به من قدرة على جذب انتباه القارئ الصغير ودورها في تلبية حاجاتهم المختلفة من التوجيه والحب إلى النجاح والاستقلال والتقدير الاجتماعي إضافة إلى تنميتها النواحي العقلية والاجتماعية والنفسية والمعرفية وتعزز لديه القدرة على التذكر والتخيل والتفكير والتحليل وإعطائه الفرصة لتحويل الكلام المنقول إلى صور ذهنية خيالية أي أنها تنمي خياله وتعرفه بمجتمعه ومقوماته وتكرس في نفسه مبدأ القدوة الحسنة حيث يحاول الطفل تطبيق المثل التي تعلمها من القصص فإذا كانت ذخيرة الطفل قصصاً تؤكد على القيم فإن الطفل يتأثر بها ويتقمص الشخصيات الطيبة والعكس صحيح كما لها أهمية كبرى في حياة الطفل لما تحمله من قدرة على شد انتباه الطفل وجذبه وتقود إلى إثارة العواطف والانفعالات لديه.
ويرى الأديب والشاعر موفق نادر عضو اتحاد الكتاب العرب والذي خاض غمار تجربة الكتابة للأطفال أن قصص الأطفال تمتاز بأنها تتحدث بلغة الطفل ورؤاه وأحلامه وهذا ما يميزها عن غيرها من فنون الأدب إلا أن كثيراً ما نلحظ أن الكبار يترجمون رؤاهم واتجاهاتهم ومشاعرهم إلى لغة طفل فتأتي اللغة مناسبة في أحيان قليلة ولكن المحتوى لا علاقة له باهتمامات الطفل وحاجاته وأحلامه وهو بالتالي لا يجذب اهتمامه ومن ثم لا يتابعه بشوق.
ويوضح الأديب نادر أن الكتابة للأطفال هي حرفة لها شروط منها ما هو فطري يخلق مع الكاتب ومنها ما يحصل بالكد والمثابرة وأهم هذه الشروط الطبيعة المرحة غير المتجهمة التي تجعل الأديب قريباً من روح الطفولة وما فيها من براءة وعفوية وعذوبة إضافة لامتلاك اللغة المثقفة الواسعة الطيف ليكون متمكناً من خطاب الطفل بمعجمه المناسب واللائق إلى جانب ضرورة توفر المخيلة الواسعة والنضرة لكي يستطيع الكاتب أن يخلق نصاً طفلياً مدهشاً قادراً على أن يشغف الطفل والثقافة الموسوعية علمياً ونفسياً وتربوياً حتى لا يقع الكاتب في أغلاط تترسخ في ذهن الطفل وأن يكون طرح القصص بأسلوب يتماشى مع عقليته أي تكون في مستوى إدراك الطفل ليسهل عليه فهم القصة واستيعابها وذات مفاهيم واقعية ومبنية على أسس وأهداف وأن يكون أسلوب الطرح شيقا وذو قيم أخلاقية عالية ولا يوجد بها ما يدعي للخوف أو الرعب أو العنف وأن تحوي حكم ومواعظ كي تنمي مواهب الطفل ومتسلسلة الأفكار.
ويشير نادر إلى أن على قصص الأطفال أن تكون محببة لهم وهنا يكمن سر الإبداع لأن هذه البساطة أصعب من التعمق فالمرء من السهل عليه أن يكتب ويتكلم كلاماً عميقاً ولكن من الصعب عليه أن ينتقي ويتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع أو القارئ بأنه جليس معه وليس معلماً عليه وبالتالي يجب أن يلتقي في قصص الأطفال الفن والتربية بحيث تأتي في ثوب فني جميل لتحقق أهدافها التربوية دون التضحية بالشروط الفنية التي هي الأساس في أدب الأطفال.
ويلفت نادر إلى أن عالم الطفولة عالم ساحر وبريء وأي شيء يؤثر فيه وطفولة تلك الأيام التي عشناها لا تشبه هذه الأيام بأي شكل من الأشكال وأطفال هذا الزمن يولدون فلاسفة ويمكن أن يملوا إرادتهم على الكبار وأن يعلموهم أيضاً فما معنى أن يجلس طفل في حضن جده ويعلمه على الكمبيوتر مثلاً فالأشياء بدت مقلوبة موضحاً أن الخوض في غمار الثقافة الطفلية عامة والإبداع فيه خاصة لا يختلف كثيراً عن السائر في حقل ألغام شديدة الخطر والحساسية رغم كثرة الذين انجرفوا باتجاهه في آخر ثلاثة عقود من القرن العشرين مما يوحي بأنه مجال سهل محبوب ويوفر للمبدع ما يشتهي من حضور ويعلي هامته باتجاه الغاية التي يصبو إليها وهؤلاء لا يمثلون أكثر من حجة على الاستسهال والتهاتف بعد أن راوا دروبهم مسدودة في الإبداع للكبار.
ويبين نادر أن أدب الأطفال وهو فن صعب للغاية ما زال يشكو من كثرة المتطاولين عليه حتى أصبحنا نرى عشرات الكتب المنشورة وليس فيها من صفات الأدب الطفلي أي شيء كما أن كتاب الأطفال بحاجة إلى الاهتمام المناسب للمواظبة على السير في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر رغم أن المجتمعات المتقدمة تمنح كتاب الأطفال أعلى الجوائز وترعاهم كما يليق لأنهم يعتبرون حالة خاصة جداً في الكتابة الإبداعية مضيفاً أنه ما زل مقتنعاً أنّ الكتابة للأطفال ليست واحة يهرع إليها أصحاب المواهب الضعيفة بل هي أحوج إلى قامات أدبية ومهارات خاصة لا يمتلكها إلاّ القليل من المبدعين ومن دون ذلك لا بدّ أنّ الناتج سوف يكون نصوصاً رخوة لا هوية لها ولا تنتمي إلى الأدب بأية صورة كما أنه ليس هناك موضوعات هي حكر على الأطفال بل تكمن البراعة في قدرة الكاتب أن يطوع أي موضوع ويجعله قابلاً ليكون قريباً من عالم الطفولة.
ويؤكد نادر أن لأدب الأطفال عامة ولقصص الأطفال بخاصة تأثير كبير على تنشئة الطفل عقلياً ووجدانياً فهي تقدم له الفكر والمعلومات مغموسة بالعواطف والخيال فتجمع لديه ما يشتهي كله فهي تمتع روحه وتعلي خياله وتساهم في ترقيق عواطفه وتشذيبها وإعلاء أحلامه زيادة على أنها تنمي عقله ومعرفته وتسمو بها ليكون شخصاً عارفاً ونبيلاً فهي تعمل على إكساب الطفل الكثير من المعلومات وتساعده في غرس القيم والمبادئ الخلقية السليمة التي تساهم في تربيته وتوجيهه إضافة لدورها الفعال والإيجابي في النمو الانفعالي للطفل.
وفيما يتعلق بأنواع قصص الأطفال يشير نادر إلى أن قصص الأطفال تتنوع حسب موضوعاتها وطرق تعبيرها والمراحل العمرية التي تخاطبها فثمة القصص العلمية والخيال العلمي التي تدور أحداثها حول حدث علمي أو تتناول اختراعاً من المخترعات العلمية وهناك الأسطورية والحكايات التي تقوم على افتراض شخصيات وأعمال خارقة لا وجود لها في الواقع والقصص القصيرة جداً إضافة لما أعد لأطفال الرياض وهناك القصص الدينية التي تتناول سير الأنبياء وقصص القرآن الكريم إلى جانب القصص الفكاهية التي هي من أحب القصص إلى نفوس الأطفال والقصص التاريخية التي تعتمد على الأحداث التاريخية وغير ذلك.
سهيل حاطوم