الذكرى الثامنة : تيليست و الخبز الدافئ
=====================================
خلال سنتي تكويني بمركز كلميم ، كانوا يحثوننا على ضرورة محاولة '' التكيف '' مع ظروف العمل و الانفتاح على المجتمع المحيط بنا...توجيهات أغلى من الذهب نفعتني كثيرا....كنت أدرس اللغة الفرنسية و الرياضيات لقسمين مشتركين ( 3+4 ) و ( 6+5 ) و كنت أجد صعوبة كبيرة في التواصل لكني تعلمت الكثير من المصطلحات الأمازيغية..أتذكر أنني أحيانا كنت أنادي زميلي لترجمة ما يقوله تلميذ ما ، استطعت أن أحفظ قدرا لا يستهان به من الكلمات و المفردات لكني لم أُوفق لحد الساعة في تعلم الصرف و التحويل... شهران كاملان مرا كقرنين من الزمن كسبنا خلالهما ثقة السكان و بنينا جسور تواصل هدمت كل المواقف السلبية التي كانت لديهم...أصبح الكل يحبنا و خيرات البلاد كانت تتقاطر علينا ، فلا يمر يوم دون أن يجلب لنا التلاميذ و التلميذات الخبز الساخن و احيانا كثيرة البيض ، البطاطس ، اللوز ، الجوز ، اللبن.....في البداية كنا نرفض ذلك لكن بعد علم السكان ، أرسلوا لنا الفقيه '' السي عبد العزيز '' الذي عاتبنا قائلا ( بالدارجة لأنه كان يحترم عدم إلمامي الكبير بالأمازيغية ) :'' الناس ديال إشباكن فرحانين بيكم و ولادهم تايعاودو ليهم كل شي عليكم..و الخير ايلا جاكم خوذوه...'' فكرنا نحن الثلاثة في رد الجميل فاقترحنا على السكان أن نقوم بمحو الأمية بدون مقابل لكن أغلبهم لم يتحمس للفكرة نظرا لعدة إكراهات...هنا تذكرت كلام الحاج '' الحسين '' : " وقتما خاصكم شي حاجة انا موجود ، قريو لينا غي ولادنا .....'' وقد علمنا بعدها أنه هو الذي حث السكان على الجود و الكرم في التعامل معنا و هناك شخص آخر قام بنفس الأمر ، السي '' عبد الله جداح '' الذي كان أطيب شخص عرفناه حينها....
انفتحنا على مجتمع '' اشباكن '' و أصبحنا نتجول وسط الدوار كأننا أبناؤه ، نرسم الابتسامة في وجه الكل و نحترم الجميع...كان دورنا لا يقتصر على التدريس...أحيانا يطرق أحدهم باب منزلنا يبتغي معرفة مدة صلاحية دواء ما أو في ماذا ينفع ، و أحيانا أخرى يجلب استدعاء من عند القائد يريد معرفة تاريخها....
اقتربت نهاية سنة 2004 و اقتربت معها المعاناة الحقيقية التي لم نكن ندركها ، يوم 30 دجنبر كان استثنائيا ، استيقظنا في الصباح الباكر كعادتنا ، أحسسنا ببرد شديد و رغبة جامحة في البقاء في الفراش...ظننا في البداية أنه البرد القارس فقط ، فتحت إحدى النوافذ فإذا بالجبال تلحفت لحافا أبيضا ناصعا، خرجنا نشاهد المنظر الجميل...لأول مرة في حياتي أشاهد الثلوج مباشرة....كانت تتساقط كالريش من السماء و لا أثر لبشر سوانا ، توجهنا نحو المدرسة التي كانت تبعد عنا بنصف كيلومتر تقريبا....انتظرنا داخل أقسامنا الباردة لمدة نصف ساعة لم نسمع فيها صوت بشر...عدنا للمنزل طالبين الدفء ، حضرنا شايا مركزا من النوع الجيد الذي دائما أجلبه معي من الصحراء...احتسيناه و نحن نشاهد من خلال النوافذ تساقط الثلج الذي سألت صديقي عن اسمه بالأمازيغية فقال لي لا علم له باسم غير '' الثلج '' ، لكن الجواب سرعان ما جاء بعدما سمعنا طرقات قوية ...فتحنا باب المنزل فوجدنا تلميذا يلبس جلبابا صوفيا أسودا تناثرت عليه ريشات الثلج ، و في يديه منديل كبير أخذ شكلا دائريا أحسست بعدما وضعه في يدي بدفء قطع الخبز ، شكرناه كثيرا و سألناه عن الاسم الذي يطلقونه على الثلج فأجاب :'' تيليست آ ستاذ '' ..... ومع '' تيليست '' حكايات و حكايات لا تنتهي .....
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa