:: مراقب عام ::
تاريخ التسجيل: 26 - 1 - 2008
السكن: فاس
المشاركات: 77,037
|
نشاط [ nasser ]
معدل تقييم المستوى:
7952
|
|
مشروع قانون المحاماة.. بين وأد المعيارية والانتصار للمزاجية في التشريع
14-05-2026, 23:40
المشاركة 4
مشروع قانون المحاماة.. بين وأد المعيارية والانتصار للمزاجية في التشريع
الخميس 14 ماي 2026
أثار مشروع قانون المحاماة رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة نقاشات حادة وتدافعات فكرية وسياسية كبيرة؛ ولعل ذلك راجع إلى أن هذا المشروع حافظ على الطابع الانغلاقي والطابع الإحتكاري، بل وتشدد فيهما أكثر من القانون رقم 28.08 المتعلق بتنظيم ذات المهنة، الذي سبق لمجلس المنافسة أن وصفه بالقانون المتزمت الذي يجعل المغرب يحتل المرتبة الأولى في القيود الكمية المفروضة على الولوج لممارسة مهنة المحاماة.
وبهذا التشدد، يكون مشروع قانون المحاماة لم يمتثل ولم يحترم بل ولم يعر أي اعتبار لمبدأ انفتاح المهن الحرة الذي أرسى دعائمه جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطابه السامي الموجه للأمة المغربية يوم 29 يوليوز 2019 بمناسبة الذكرى العشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين، والذي حث فيه على ضرورة رفع القيود التي تفرضها بعض القوانين الوطنية، والتي تجعل من المغرب في وضعية تحفظ سلبي.
ويعود هذا التشدد بالأساس إلى عدم سلامة المنهجية المتبعة في إعداده، منذ أن كان على شكل مسودة مشروع قانون، حيث حرقت الحكومة التزاماتها القانونية في إعداده؛ إذ استصغرت مجلس المنافسة، رغم اعتباره من المؤسسات الدستورية المستقلة التي نص عليها الدستور.
ويتجلى هذا الاستصغار للمؤسسة الدستورية وذلك الخرق المسطرة القانونية في إعداد مشروع قانون المحاماة، في كون الحكومة انتهكت الإستشارة الوجوبية لهذا المجلس، والمنصوص عليها في المادة 7 من القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، وخصوصا أن مشروع القانون يتضمن قيودا كمية مفروضة على ممارسة المحاماة باعتبارها مهنة حرة.
ذلك أن الحكومة وعوض أن تحترم المؤسسة الدستورية وتمتثل القانون من خلال استشارتها لمجلس المنافسة، تغاضت عن ذلك، وضربت بالتزامها القانوني وبالمؤسسة الدستورية عرض الحائط.
ولتغطي عن تصرفاتها اللامسؤولة، بادرت الحكومة إلى استشارة جمعية هيئات المحامين، رغم أن القانون لا يلزمها بذلك؛ وهو ما يعتبر خضوعا لضغوطات لهذه الأخيرة، وتلبية لرغابها، حتى تستنجد بها في الاستحقاقات المقبلة.
وتبعا لذلك، فضلت الحكومة استشارة جمعية هيئات المحامين على مجلس المنافسة، رغم أن هذه الجمعية قد تكون واقعة في وضعية تضارب المصالح مع هذه المهنة.
ويظهر جليا ذلك الضغط الذي مارسته جمعية هيئات المحامين على الحكومة عند إعداد هذا المشروع، في سحب الحكومة من مسودة مشروع قانون المحاماة فئة موظفي الوكالة القضائية للمملكة وفئة المستشارين القانونيين بالأمانة العامة للحكومة.
ولم يتوقف هذا الضغط عند حدود الحكومة، بل تعداها، ووصل إلى السلطة التشريعية التي تضم ممثلي الأمة؛ حيث مارست الجنعية ضغوطات قوية خدمة لمصالحها على حساب مصالح الأمة؛ ويظهر ذلك في مسأئل ثلاثة هي:
المسألة الأولى: ضغوطات على فرق الأغلبية حتى لا تقدم تعديلات تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى مبدأ انفتاح المهن الحرة، ورفع القيود الكمية المفروضة. على مسالك الولوج البينمهنية؛
المسألة الثانية: ضغوطات صادرة عن بعض نواب الأمة، انتصارا منهم ليس لمصالح الأمة، وإنما لمهنتهم كمحامين؛ وفي هذا تضارب للمصالح، وانتهاكا لمقتضيات المادة 390 من النظام الداخلي لمجلس النواب؛ بل وهو ما يكشف عن أخطر مظاهر تضارب المصالح الذي يتم تأطيره بالتشريع.
المسألة الثالثة: الضغط على مجموعة العدالة والتنمية لكي تسحب تعديلاتها، بعد برمجتها.
وهذا ما جعل تشريع قانون المحاماة ينتصر للمزاجية ويقتل المعيارية باعتبارها جوهر مبدأ سيادة القانون.؛ ولعل ما يؤكد المزاجية في التشريع المظاهر التالية:
المظهر الأول: تغيير سن الولوج عبر المباراة، تارة 40 سنة وتارة 45 سنة، دون الاعتماد على أي معيار في هذا التغيير، سوى ملاءمته مع الحد الأقصى للسن في الوظيفة العمومية؛ وهذا تبرير يضرب في العمق مبدأ المعيارية المستند على مبدأ سيادة القانون، ويجعل ذلك التغيير مجرد تغيير مزاجي وليس معياري، لكونه سقط في التناقض مع المادة الأولى التي نصت على أن المحاماة هي مهنة حرة، وتبعا لذلك ليست وظيفة عمومية، وبالتالي لا يمكن القياس عليها.
وهذا عاما أن فرض السن في ممارسة مهنة حرة هو قيد كمي وضرب لمبادئ الدستور، لأنه يخل بمبدأ منع وحضر أشكال التمييز بسبب وضع شخصي؛ فضلا عن القيود العمرية أصبحت تفرض فقط في المهن القانونية الحرة، دون غيرها؛ فمثلا مهنة الطب التي هي أعظم الرسائل شأنها شأن مهنة المحاماة، لا تفرض قيودا عمرية، بحيث يمكن ممارسة مهنة الطبيب دون اشتراط حد أقصى للسن.
المظهر الثاني: حذف الحد الأقصى للسن بعد فرضه على الأساتذة الجامعيين، مما يثير التساؤل حول معيارية الفرض والحذف؟ أما أن الأمر، لا يعدو سوى مزاجية في التقرير والتصويت.
المظهر الثالث: تصويت الأغلبية برفض مسالك الولوج البينمهنية، وخاصة مسلكي كتابة الضبط والموظفين المكلفين بالشؤون القانونية والمنازعات القضائية للدولة، رغم اعتراف مشروع قانون المحاماة بصلتهما بممارسة مهنة المحاماة، كما هو واضح في المادة السابعة من مشروع قانون المحاماة.
هذه المزاجية ستشكل سابقة خطيرة في سن التشريعات والقوانين، وستجعل مبدأ سيادة القانون القائم على مبدأ المعيارية مجرد مبدأ ميتا؛ وهذا لن تقبل به الأمة المغربية التي توارثت جيلا عن جيل مفهوم ال**** الأكبر ،الذي رسخه السلطان محمد الخامس طيب الله ثراه، في بناء الدولة المغربية الحديثة.
عبد المنعم محسيني
باحث في العلوم القانونية
نيشان : بـقلم عبد المنعم محسيني
====================
الحمد لله رب العالمين
|