عددت سيناريوهات النظام المراد اعتماده لمواجهة كل المشاكل التي تهدد المنخرطين الحاليين في أنظمة التقاعد بالحرمان من الحق في الحصول على المعاشات المستحقة عند بلوغهم سن التقاعد، لكن هذه التعددية لم توفر لأي من السيناريوهات المطروحة شروط كسب الثقة والرهان على محتوياتها.
الاعتراف بأن الأنظمة المعتمدة حتى الآن تعاني من خلل بيِّن في مجال المساواة، سواء بين المنخرطين في نفس النظام أو بين المنخرطين في نظامين مختلفين، أفرز توجهات مرتكزة على تقارير محاسباتية يصعب التحكم في المعايير التي تقوم عليها، وخاصة منها تلك المرتبطة بمعدل النمو الديموغرافي وبمعدل النمو الاقتصادي ، والاعتراف بأن الإجراءات التي اتخذت، عقب تعيين حكومة عبد الرحمان اليوسفي، زادت في عمر الأنظمة وحسنت شروط أدائها، أفرز بدوره تخوفات من الإجهاز على ما تحقق والعودة إلى سوق عمل يكون فيه على المستخدم أن يعاني من الفقر في عز شبابه وعند شيخوخته.
إن نظام التقاعد ليس مجرد ترسانة قانونية تحدد الحد الأدنى لفترة الشغل التي تخول الحق في الاستفادة من المعاش، وتحدد سن التقاعد وشروط الاستفادة من التقاعد النسبي وقيمة الانخراط والمعاش المستحق، ولكنه في الواقع منظومة قانونية منبثقة عن خيارات إيديولوجية وسياسية تحدد طبيعة المجتمع المراد إقراره، فطبيعة هذه الخيارات تفرض توسيع دائرة البحث لتشمل معايير أساسية من قبيل مستوى الحد الأدنى للأجور والنظام الضريبي ونسبة البطالة ونسبة التضخم ونوعية الخدمات التي سيستفيد منها كل مواطن.
إن نـظام التقاعد يخضع بالضرورة إلى الخيارات التي تتحكم في مسار كل مواطن منذ ولادته، وإذا كان قدر الجيل الحالي هو أن يضحي من أجل تسديد الدٌين الخارجي وتحمل كلفة إعادة التوازنات الماكرواقتصادية وإنفاق جزء كبير من فائض القيمة الذي يوفره في تدارك العجز المسجل على مستوى البنيات التحتية ومواكبة متطلبات الانخراط في اتفاقيات دولية تفرض الامتثال لقواعد تحرير المبادلات التجارية على المستوى الدولي، فإن الخيار القائم على التضامن والمساواة بين الأجيال، والحرص على التوفيق بينه وبين تثمين الانخراطات عبر نظام الرسملة يقتضي الانطلاق من أن النظام التعليمي لا يوفر شروط إعداد أجيال الغد للانخراط في سوق الشغل، ومن أن الوضع الصحي يتأثر بضعف التغطية الصحية ومن أن معدلات الفوائد على القروض البنكية تفرض تمديد آجال تسديد أقساط الديون، بما فيها المرتبطة بالسكن، إلى ما بعد الإحالة على سن التقاعد، فطبيعة القوانين المنظمة لمختلف المجالات المتدخلة في تحديد نوعية العيش هي التي تتحكم في نجاعة الخيارات المراد اعتمادها لحل الإشكاليات التي تواجه مختلف صناديق التقاعد.
لقد شكل القانون المالي لسنة 2008 تراجعاً ملحوظاً في المجال الضريبي عن الخيارات التي ميزت السنوات العشر السابقة، وبفعل هذا التراجع تم تأجيل التخفيف من العبء الضريبي عن المأجورين وذوي الدخل المحدود إلى أجل غير مسمى، كما تم إرجاء رفع الحد الأدنى للأجور ومستويات الأجور إلى حين التعرف على نتائج الحوار الاجتماعي، وهو الحوار الذي سيتم في ظروف متميزة بضعف المنظمات النقابية وبصعوبة تمديد فترة السلم الاجتماعي، ومادام أن الخيارات الجديدة تعطي الأولوية للاستجابة لمطالب المقاولات الكبري على حساب المطالب الملحة للموارد البشرية، فإن الإجهاز المتواصل على مكتسبات الطبقة المتوسطة والاستمرار في توسيع الهوة بين فئة قليلة من الأثرياء وباقي مكونات المجتمع المغربي سيفرض واقعاً لا يمكن للخبراء والتقنوقراط أن يتجاهلوه، فمن لا يملك ما يسد به الحاجيات الأساسية الآنية للعيش، كيف له أن يساهم في مجهود التضامن. إن فاقد الشيء لا يعطيه.
2008/5/3
الإتحاد الإشتراكي