كَانَ يَعِيشُ فِي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ لِصٌّ يَسْرِقُ مَحَافِظَ اٌلرِّجَالِ وَحَقَائِبَ
اٌلنِّسَاءِ،لَكِنَّ اٌلشُّرْطَةَ بَدَأَتْ تَعْرِفُهُ، وَأَخَذَتْ تَقْبِضُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ
سَرِقَةٍ تَقَعُ فِي اٌلْمِنْطَقَةِ، سَوَاء كَانَ هُوَ اٌلسَّارِقُ أَمْ لاَ، فَقَرَّرَ تَرْكَ
اٌلْبَلْدَةِوَاٌلسَّفَرَ بَعِيداً إِلَى بَلَدٍ أََجْنَبِيٍّ لاَ يَعْرِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ.
وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وُصُولِهِ، سَرَقَ أَوَّلَ مِحْفَظَةٍ، وَفَوْراً، أَمْسَكَهُ
رَجُلٌ وَسِيمٌ، يَرْتَدِي لِبَاساً فَاخِراً وَيَضَعُ عَلَى عَيْنَيْهِ نَظَّارَةً ثَمِينَةً
سَوْدَاءَ. كَادَ قَلْبُ اٌللِّصِّ ينفطر مِنْ شِدَّةِ اٌلْخَوْفِ، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ
إِلَى اٌلرَّجُلِ اٌلْأَجْنَبِيِّ وَيَرْجُوهُ أَنْ يُسَامِحَهُ وَيَتْرُكَهُ يمْضِي إِلَى حَالِ
سَبِيلِهِ وَهُوَ يَظُُنُّ أَنَّ اٌلرَّجُلَ اٌلَّذِي قَبَضَ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالِ اٌلشُّرْطَةِ.
لَكِنَّ اٌلْأَجْنَبِيَّ قَالَ لَهُ: لاَ تَخَفْ ! أَنَا لِصٌّ مِثْلُكَ،كُنْتُ أُرَاقِبُكَ
وَأُُرِيدُكَ أَنْ تَعْمَلَ مَعِي، فَمَا قَوْلُكَ ؟ فَرِحَ اٌللِّصُّ وَقَالَ: أَنَا مُسْتَعِدٌّ
لِلْعَمَلِ مَعَكَ يَا سَيِّدِي. اِبْتَسَمَ اٌلرَّجُلُ اٌلْأَجْنَبِيُّ وَقَالَ لَهُ: اَلْيَوْمَ
سَنُنَفِّذُ أَوَّلَ عَمَلِيَّةٍ، ثُمَّ َأَخَذَهُ إِلَى مَتْجَرٍ لِبَيْعِ اُلْمَلاَبِسِ وَأَلْبَسَهُ لِبَاساً
فَاخِراً.
وَفِي اٌللَّيْلِ، تَسَلَّلاَ إِلَى قَصْرٍ مُنْعَزِلٍ كَبِيرٍ، وَدَخَلاَ إِلَى غُرْفَةٍ فَسِيحَةٍ،
وَفَتَّشَاهَا جَيِّداً، فَوَجَدَا بِهَا خَزْنَةً فُولاَذِيَّةً فَتَحَهَا اٌلْأَجْنَبِيُّ بِدُونِ
كَسْرٍ وَأَخْرَجَ مِنْهَا مَالاً كَثِيراً وَضَعَهُ عَلَى طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ وَجَلَسَ
قُرْبَهَا عَلَى كُرْسِيٍّ وَقَالَ لِلِّصِّ: أَحْضِرْ لَنَا وَرَقَ اٌللَّعِبِ وَقِنِّينَةَ
مَشْرُوبٍ غَازِيٍّ مِنَ اٌلثَّلاَّجَةِ وَثَلاَثَةَ كُؤُوسٍ وَلاَ تَنْسَ أَنْ تُشَغِّلَ
اٌلْمُسَجِّلَةَ وَتَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهَا. اِنْدَهَشَ اٌللِّصُّ مِنْ طَلَبَاتِ اٌلْأَجْنَبِيِّ
اٌلْغَرِيبَةِ، وَقَالَ لَهُ: لِنَهْرَبِ اٌلْآنَ، يَا سَيِّدِي، قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَيْنَا أَحَدٌ
مِنْ سُكَّانِ اٌلْقَصْرِ.لَكِنَّ اٌلْأَجْنَبِيَّ نَهَرَهُ قَائِلاً: أَنَا اٌلزَّعِيمُ هُنَا، نَفِّذْ
مَا أَمَرْتُكَ بِهِ وَلاَ تُنَاقِشْنِي. وَفِعْلاً أَحْضَرَ اٌللِّصُّ اٌلطََّلَبَاتِ ولَمْ يَنْسَ
تََشْغِيلَ اٌلْمُسَجِّلَةِ.
أَمَرَ اٌلْأَجْنَبِيُّ اٌللِّصَّ بِاٌلْجُلُوسِ قُبَالَتَهُ وَبَدَآ يَلْعَبَانِ اٌلْوَرَقَ.وَفِي تِلْكَ
اٌلْأَثْنَاءِ، حَضَرَ صَاحِبُ اٌلْقَصْرِ مَفْزُوعاً وَبِيَدِهِ بُنْدُقِيَةَ صَيْدٍ، وَقَالَ:
مَاذَا تَفْعَلُونَ فِي قَصْرِي يَا لُصُوصُ؟ أَتَسْرِقُونَ مَالِي؟ وَأَمْسَكَ بِأَحَدِ
اٌلْكُؤُوسِ وَقَالَ: وَتَشْرَبُونَ أَيْضاً؟! لَكِنَّ اٌلْأَجْنَبِيَّ لَمْ يَهْتَمَّ لِوُجُودِهِ
وَقَالَ لِلِّصِّ: وَاصِلِ اٌللَّعِبَ وَلاَ تُشْغِلْ بَالَكَ بِأَمْرِهِ.
اِتَّصَلَ صَاحِبُ اٌلْقَصْرِ بِاٌلشُّرْطَةِ اٌلَّذِينَ حَضَرُوا بِسُرْعَةٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ
هَذَيْنِ اٌلرَّجُلَيْنِ لِصَّانِ اٌقْتَحَمَا قَصْرَهُ وَسَرَقَا اٌلْخَزْنَةَ، وَهَاهِيَ اٌلْأَمْوَال
المسروقة موضوعة أمامهما. فقال الأجنبي للشرطة : هذا الرجل يَكْذِبُ عَلَيْكُمْ، لَقَدْ دَعَانَا إِلَى قَصْرِهِ لِنَلْعَبَ مَعَهُ اٌلْقِمَارَ، وَقَدْ لَعِبْنَا
فِعْلاً وَفُزْنَا عَلَيْهِ، وَلَمَّا خَسِرَ أَمْوَالَهُ حَمَلَ بُنْدُقِيَتَهُ وَهَدَّدَنَا قَائِلاً: إِمَّا
أَنْ تُرْجِعَا لِي مَالِي كَامِلاً أَوْ أَتَّصِلَ بِاٌلشُّرْطَةِ وَأُخْبِرَهُمْ بِأَنَّكُمَا لِصَّانِ
ضَبَطْتُكُمَا تَسْرِقَانِ مَالِي.نَظَرَ ضَابِطُ اٌلشُّرْطَةِ إِلَى اٌلْمَائِدَةِ فَوَجَدَ عَلَيْهَا
اٌلْأَمْوَالَ وَوَرَقَ اٌللَّعِبِ وَاٌلْكُؤُوسَ اٌلثَّلاَثَةَ مَمْلُوءَةًَ بِاُلْمَشْرُوبِ اٌلْغَازِيِّ،
وَاٌلْمُوسِيقَى تَمْلَأُ اٌلْغُرْفَةَ بِنَغَمَاتِهَا، فَتَأَكَّدَ مِنْ صِدْقِ اٌلْأَجْنَبِيِّ وَشَعَرَ
بِأَنَّ صَاحِبَ اٌلْقَصْرِ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، فَخَاطَبَهُ قَائِلاً: كُنْتَ فِعْلاً تَلْعَبُ
اٌلْوَرَقَ مَعَ هَذَيْنِ اٌلرَّجُلَيْنِ، وَلَمَّا خَسِرْتَ أَمْوَالَكَ اٌتَّصَلْتَ بِنَا لِتُزْعِجَنَا،
أَنَا أُحَذِّرُكَ! ! إِنْ كَرَّرْتَهَا ثانية، فَسَأَرْمِيكَ فِي اٌلسِّجْنِ بِتُهْمَةِ
إِزْعَاجِ اٌلسُّلُطَاتِ وَتَقْدِيمِ بَلاَغٍ كَاذِبٍ، أَفَهِمْتَ؟ وَلَمَّا أَرَادَ اٌلضَّابِطُ
أَنْ يُغَادِرَ اٌلْقَصْرَ، اِسْتَوْقَفَهُ اٌلْأَجْنَبِيُّ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي،إِنْ خَرَجْتَ
وَتَرَكْتَنَا هُنَا، فَسَيَقْتُلُنَا هَذَا اٌلْمُرَاوِغُ اٌلْكَذَّابُ، أَرْجُوكَ، يَا سَيِّدِي،
أَنْ تُخْرِجَنَا مِنَ اٌلْقَصْرِ تَحْتَ حِمَايَةِ اٌلشُّرْطَةِ. فَأَخْرَجَهُمُ اٌلضَّابِطُ
وَمَعَهُمُ اٌلْأَمْوَالُ اٌلْمَسْرُوقَةُ. لَمَْ يُصَدِّقِ اٌللِّصُّ مَا جَرَى ، وَلَمْ يَتَمَالَكْ
نَفْسَهُ مِنَ اٌلضَّحِكِ وَهُوَ يَرَى اٌلْأَجْنَبِيَّ يُصَافِحُ اٌلضَّابِطَ وَيَشْكُرُهُ
عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِ أَمَامَ اٌنْدِهَاشِ صَاحِبِ اٌلْقَصْرِ اٌلَّذِي نَسِيَ إِغْلاَقَ
فَمِهِ مِنَ هَوْلِ اٌلصَّدْمَةِ وَهُوَ يَرَى أَمْوَالَهُ تُحَمَّلُ فِي سَيَّارَةِ اٌلشُّرْطَةِ.