العروس المدللة...!
-" لدي أخت مطلقة... " قالت جارتي في حماس بعدما وردت كلمة طلاق على شاشة التلفاز , وقد كنا نشاهد أحد البرامج بعد نوم ابنتي الصغيرة .
-"و ماذا في ذلك .." نظرت اليها في دهشة و تابعت : "لم يعد الطلاق في عصرنا هذا شيئا مستغربا."
-"قصة اختي قصة مستغربة جدا ......." قالت مدافعة و هي تنظر الي بعينيها البراقتين , ثم حملقت في الهواء بيننا و كأنها تشاهد أحداث قصة أختها تمر أمام ناظرها , و ابتسمت ابتسامة واسعة , حركت جفنيها لتبلل عينيها قبل ان تلتفت الي و قد انفرجت ابتسامتها عن اسنانها البيضاء . سبقتها الى الكلام قائلة:
-" لا تبدو قصة حزينة على كل حال , فانت تبتسمين , تكادين تضحكين..." كنت انظر الى وجهها الجميل فهذه الشابة حديثة عهد بالزواج , و هي الآن تعاني من أعراض الوحم التي لا ترحم , و كان وحمها هذا هو سبب توطد علاقتنا التجاورية فبعد ان جاءت لتشكرني على طبق كسكس يتيم أرسلته لها في أحد أيام الجمعة, تأكدنا معا بأنه لا غرباء في العالم بل أصدقاء ينتظرون ساعة اللقاء.... قلت يتيم لأنها لم تتح لي فرصة ارسال اي أكل آخر, فقد كانت دائمة التواجد معي في منزلي لا تغادر الا عند عودة زوجها من عمله او عودة زوجي.
جعلتني انتبه من غفلتي بقولها :
-"انها قصة كارثية..... و لكنها انتهت نهاية سعيدة " اغرورقت عيناها بالدموع و لكن الابتسامة لم تفارق شفتيها الجميلتين و تابعت :
-" توفي والدي مخلفا بعده أمي أرملة مع ثلاث فتيات صغيرات تكفلت أمي بتربيتنا بينما تكفل أعمامي باحكام الحصار على كل ... سكناتنا ... لا نحرك ساكنا الا بعد اذنهم , منعت امي من العمل بدعوى ان ما يقدمه الاعمام كاف لتغطية جميع المصاريف ,فعشنا على الضروريات التي لا يمكن ان يستغنى عنها أحد.
فجاء اليوم الذي سيتخلص فيه اعمامي من احدانا , لم تكد اختي بوشرى, وهي اكبرنا ,تبلغ عامها الخامس عشر حتى زفت لاول خاطب, كان قرارا لا رجعة فيه رغم محاولاتها اليائسة للرفض و العصيان .
سكتت جارتي لتستجمع انفاسها فتدخلت قائلة :
-" وان كنت ضد الزواج المبكر , ولكنني ارى انه لا بأس بالامر اذا كان الزوج مناسبا ".
-" هذا هو المشكل.... الزوج غير مناسب ....." بللت شفتيها بلسانها وقالت مسترسلة:
-"في الليلة الاولى من زواجهما .... اخبرها بانه يمكن تأجيل الامور الى الغد ......"صمتت جارتي و نظرت الي ......
-" انه رجل كريم , اكرم زوجته بالتأجيل, فعادة ما تكون العروس متعبة ... خائفة ... متوجسة... و تشعر بالغرابة ......." اجبتها على سؤالها الذي نطقت به نظراتها الي .
ابتسمت لاندفاعي في الدفاع عنه وقالت في برود:
-"في الليلة الثانية قرر التاجيل ايضا... و في الليلة الثالثة ... وهكذا توالت الليالي .... و الايام....... "
-"ماذا ؟؟....... و لكن لماذا...........؟؟؟؟" صرخت في استنكار.
-" لك ان تتصوري حالة اختي, كل ليلة تخلو فيها مع زوجها يعاملها وكانها شيء ثمين اشتراه , ولا يعرف ماذا يفعل به... و هي تنظر اليه... و لا تفهم شيئا, لصغر سنها و جهلها ...توالت الايام... و استوعبت اختي حقيقة الامر ... فهو لا يريد زوجة يسكن اليها و تسكن اليه ويتمنيان معا البنات و البنين ... بكل بساطة هو يريد خادمة له و لاهله, عندما واجهته اختي بواقع حاله, جن جنونه... و اخد يزبد و يرعد ... يتوعد ويهدد ... ثار كحيوان استيقظ من نومه ليجد نفسه في قفص ضيق بدل الغابة الواسعة .... وكانه كان يمثل مشهد انفعال ... سرعان ما هدأ و قال بالحرف الواحد و بكل برود:" لا تخبري احدا والا ..........." ثم هددها و عنفها و اغلظ القول بان لا يعودا للحديث في هذا الموضوع.
-" بدل ان يتودد اليها و و يستسمحها و يطلب رضاها و تعاونها ليتجاوزا هذه المحنة معا " قلت بأسى و قد تملكني الحزن الشديد على حال العروس التعيسة.
-" ذلك ما قالت اختي تماما , فلو انه اظهر بعض الاسف... و المعاملة الطيبة... لكان لها موقف اخر .
-"مخطئ حتى نخاعه الشوكي .... و يزيد الطين بلة بالتوعد والتهديد.... " اردفت وقد بدات انفعل مع واقع القصة.
-" و التجريح ...و السب... و الشتم ...و الضرب ان سولت لها نفسها ان تكيل له بنفس المكيال " اضافت جارتي بنفس الحرقة,
"-ماذا حدث بعد ذلك ......." استحثها على اتمام السرد.
-"منعت اختي من زيارتنا... بدأت تدبل ... فقدت نصف وزنها في ظرف شهرين... اصفر وجهها... و خمد بريق عينيها.... تعبت ادناها و نفسيتها من سماع اوامر اهل الزوج و تهديدات الاخير ... عروس لم تحظ بدقيقة دلال... او لمسة حب... او كلمة اعجاب او تقدير... اشتاقت لحنان امها و ضمة صدرها ... فما كان منها الا ان انفجرت باكية بين احضان احدى الجارات, التي لم تدخل الا لطلب القليل من الملح ... بين ذراعي هذه السيدة انهارت اختي.. ونحبت حظها التعيس... و سجنها المرير ... تبكي بحرقة ... تشكي... و تحكي .....
-"الا تسمعين بكاءا ...." قالت جارتي تنبهني و قد تغيرت نبرة صوتها .
انتبهت للصوت المنبعث من الغرفة, فاسرعت الخطا, انها حبيبتي الصغيرة , يبدو ان الجوع ايقظها , حملتها بين ذراعي وانا اسمع جارتي تضحك بملء شدقيها و تعاتبني مازحة :
-"ترهقينني بكثرة ما تقولين عن استيقاظك لاول حركة تأتي بها ابنتك ليلا والآن.. مستيقظة و لم تسمعي بكاءها !!!!
"ماذا افعل؟ و قد رفعتني قصة اختك عن الواقع ..." قلت مدافعة عن نفسي و ابتسمت ......ليس لجارتي وانما لايمانتي الصغيرة , لم تتح لي فرصة اطعامها , فقد عادت للنوم بمجرد احساسها بدفء احضاني , وضعتها في مكانها بكل ما امكنني من هدوء , و خرجت من غرفتها الى اجواء قصة اخت جارتي .....
-"خرجت الجارة و فكرة واحدة تدور في رأسها و تكاد تحرق شفتيها: العروس لا تزال بكرا بعد شهرين من الزواج.....!!!!! انتشر الخبر كالصاعقة ... فقرر زوجها الانتقام, خاصة بعد ان ارتوى من نظرات الاستهزاء التي احسن تهجئتها في عيون الجميع.
-" ماذا فعل ؟؟؟؟ " قلت بلهفة وانا احاول قراءة الجواب على تعابير وجهها .
-"لن تتوقعي ابدا ما حاول فعله... !!!!! الجبان ..."
-" ماذا ؟؟؟ اوسعها ضربا و سجنها في غرفة فوق السطوح دون اكل او شرب !!!!!؟
-"كان اخبث و اشر من ذلك..." قالت و قد تعمدت التثاقل عن الجواب ليصل فضولي اعلى مستوياته .
-"هيا..... اخبريني ماذا فعل ؟؟؟"
-"اعتمد سياسة... الحيلة احسن من العار... لغرض في نفسه" اجابت في هدوء .... و تفكير... و كأنها تدرس معه خطته.