في البدء كان الامل ! بنشوة لا تضاهى تسلم دبلومه الذي انتظره مدة حولين كاملين ! تفرس فيه , اعاد قراءة تفاصيله لالف مرة ,وتراءت امام ناظريه اطياف من الاحلام العسلية,فهذا الشعور لم يخالجه الا مرتين في حياته ,مرة وهو يطلق الصرخة الاولى في الحياة , وهذه المرة وهو ياخذ صورة تذكارية مع رفاقه و رفيقاته والتي اصر فيها ان يبتسم اكثر من اللازم ! فقد عد هذه اللحظة اكتشافا جديدا للكون يشابه لحظة اكتشاف النار في تاريخ البشرية , وفي غمرة انتشائه صاح عاليا < لم تعد ارقامي مخطوطة بقلم الرصاص صرت عصيا على المحو > . لم ينم تلك الليلة _كما تحكي عنه الاشياء المحيطة به _ بات يرسم بانامله المتاججة صورا جميلة كانت فيما مضى من عمره احلاما مستحيلة . تخبرنا الشمعة التي تقاسمت معه تلك الليلة الافلاطونية انه لم تلامس اصابعه الحبر الاسود,كل اللوحات التي شكلها كانت بالوان قوس قزح .حلم بامراة جميلة تشبهه ولا تشبهه ,ووقع حلمه بمعادلة جوهرها ارقاما تستفزه حد الثمالة (9+9=18), وحلم بمنزل في اقاصي السكينة ينتشله من قسوة الخارج ,كما حلم باطفال بلون الربيع يرثون بعده رغد العيش ,وحين اتى الصباح اسلم روحه للوسادة المريحة ,وضاعة الشمعة في ظلمة النهار , ولم يعد من يحكي !
بعد عشر سنوات ....! اكتشف فجاة سراب الحياة ,نفس البوار يحتضنه وكانه يعود للوراء بخطى رتيبة ,صار يجتر نفسه في اليوم الاف المرات .يحكي عنه الطباشير فيقول , ( انه كائن عصيب لا يحتمل ,لم تعد اصابعه تختزن ذلك الحنان كما زمنا , وصار كل همه ,لا يكتبني الا ليمحيني , وما اتعسها متعة.! وحين قرر ذات مساء ان يصعد فوق الميزان ليختبر وزنه اشار له المؤشر بهذه العبارة (تلميذ مجتهد بالقسم السادس )! , ولم يتفاجا كثيرا لانه متيقن انه غير معني بمعادلة (خطوتين الى الوراء من اجل خطوة الى الامام ),واكتشف كذلك ان شيئا في داخله فقد شعلته , وان البوصلة الانيقة التي اضاءت حوله زمنا تكسرت فوق تجاعيد الواقع ! تحسس قلبه بيده المصبوغ بالغبار عله يتلذذ بايقاع النبض , واذا به يستخرج من جيب قميصه البالي ورقة تحتوي قائمة باسماء الدائنين ,وارقاما لابسة قناع الخوف ,ولاول مرة يلعن التاريخ و الجغرافيا و التربية الوطنية !, واهتدى اخيرا الى ضرورة اجتياز البناية الانيقة ,عابسا يجر الخطو كاي محارب عاد من هول المعركة , حتى ابتسامة السكرتيرة الجميلة وهي تخاطبه بلغة مهذبة , لم تحدث في نفسه اي وقع ,امد لها باوراق موقعة ,وكان كل قدره ان يعيش وسط ركام من الاوراق اللعينة , وحين عادت بنفس الابتسامة اللطيفة قالت له بلغة مهذبة (اسف سيدي , طلبك غير مقبول ,لان راتبك لم يعد قادرا على تحمل مجزرة جديدة ) , وانصرفت كانه لم يكن ,كانه لم يكن ...
على سبيل الختم... _ لم يتزوج لا بامراة جميلة ولا بامراة ذميمة ... _ صارت معادلة (9+9=18) معادلات تستعصي الحل , وانخرط كرها في بشاعة الارقام . _ لم يسكن منزلا كما تمنى , وقضى بقية عمره مشردا بين اركان باردة. _ لم يرزق باطفال او لنقل رزق باطفال بدون قامة ولا لون ولا حجم. تحكي محفظته الرثة انه في اواخر ايامه كان يردد بلغة هذيانية (يولد الانسان جمرة ساخنة , وعند اول ارتطامه بالارض يصاب بنزيف الصقيع فيخبو ...ثم يخبو ...ثم ي...خ...ب...و ) بقلم _البعزاتي رشيد