باريس/نيويورك – 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2007 – تزايد بوضوح عدد الأطفال الذين بدأوا، منذ عام 2000، بالالتحاق بالتعليم الابتدائي. وقد بات عدد الفتيات في المدارس يبلغ مستويات لم يسبق أن سُجلت من قبل، في موازاة زيادة الإنفاق على التعليم وارتفاع حجم المساعدة المخصصة له. هذه هي الأنباء السارة التي تحملها الطبعة السادسة لتقرير الرصد العالمي للتعليم للجميع الذي صدر اليوم عن اليونسكو. وفي المقابل، فإن المستوى الرديء للتعليم، وارتفاع كلفته، ومراوحة مستويات أمية الكبار، تهدد كلها فرص تحقيق التعليم للجميع* بحلول عام 2015.
"إننا نسير في الاتجاه الصحيح، لكن النظم التعليمية تواجه، بفعل توسعها، تحديات أكثر تعقيداً وتحديداً". هذا ما صرّح به كويشيرو ماتسورا، مدير عام اليونسكو، مضيفاً: "يصف التقرير الصادر بشأن التعليم للجميع هذه التحديات بوضوح، وهي: الوصول إلى الأشخاص الأكثر ضعفاً وحرماناً، وتحسين شروط التعلم، وزيادة المساعدة للتعليم".
"الآن، وقد بلغنا منتصف الطريق نحو عام 2015، يميل تقييمنا نحو الإيجابية. لكن ما زال أمامنا الكثير لنفعله في سعينا لبلوغ الأهداف بحلول موعدها المحدد. كما أن البلدان والمناطق التي كانت تواجه أكبر الصعوبات في تحقيق التعليم للجميع قد أحرزت تقدماً بوتيرة أسرع بكثير من التسعينات"، بحسب نيكولاس بورنيت، مدير تقرير عام 2008، الذي عُين حديثاً مديراً عاماً مساعداً لقطاع التربية في اليونسكو. واستتبع قائلاً: "لا شك أن جودة السياسات الوطنية وازدياد الإنفاق المحلي على التعليم، بالإضافة إلى ارتفاع حجم المساعدة الخارجية، عوامل تترك أثرها وتحدث تغييراً في حياة ملايين الأطفال، بالأخص في بوركينا فاسو، وإثيوبيا، والهند، وموزمبيق، وجمهورية تنزانيا المتحدة، واليمن، وزامبيا".
كما يظهر التقرير أن الالتحاق بالتعليم الابتدائي ارتفع بنسبة 36% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وبنسبة 22% في جنوب وغرب آسيا بين عامي 1999 و2005. وقد عمدت حكومات 14 بلداً إلى إزالة الأقساط المدرسية في التعليم الابتدائي، مما يعزز انتفاع الفئات الأكثر حرماناً بالتعليم. أما على المستوى العالمي، فلقد انخفض بحدة عدد الأطفال غير المسجلين في المدرسة، من 96 إلى 72 مليوناً في عام 2005.
وعموماً، أقدمت البلدان التي ارتفع فيها بوضوح الالتحاق بالتعليم الابتدائي على زيادة إنفاقها على التعليم كحصة من نتاجها القومي الإجمالي. فقد تزايد الإنفاق الحكومي على التعليم بأكثر من نسبة 5% سنوياً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وآسيا الجنوبية والغربية، علماً أنهما المنطقتان اللتان تواجهان أكبر الصعوبات في تحقيق التعليم للجميع. وبين عامي 1999 و2005، نجح 17 بلداً إضافياً في تحقيق المساواة بين الصبيان والفتيات في الالتحاق بالتعليم الابتدائي، ومن بين هذه البلدان غانا، والسنغال، وملاوي، وموريتانيا، وأوغندا، فيما حقق 19 بلداً المساواة بين الجنسين في التعليم الثانوي، بما يشمل بوليفيا، وبيرو، وفيتنام. وفي النتيجة، حُققت المساواة بين الجنسين في التعليم في 63% من البلدان في المرحلة الابتدائية، وفي 37% في المرحلة الثانوية في عام 2005.
كما تضاعف حجم المساعدة للتعليم الأساسي في البلدان ذات الدخل المنخفض بأكثر من مرتين بين عامي 2000 و2004، قبل أن يتراجع من جديد في عام 2005. وتلقت البلدان ذات الدخل المنخفض 2،3 مليار دولار للتعليم الأساسي، قياساً بـ1،6 مليار دولار في عام 1999.
لكن على الرغم من هذا التحسن، فما زال الطريق طويلاً، إذ أظهر مؤشر تنمية التعليم للجميع، الذي جرى احتسابه لـ129 بلداً، أن 25 بلداً ما زالت بعيدة عن تحقيق التعليم للجميع. كما أن ثلثي هذه البلدان واقعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مع العلم أن هذه القائمة تشمل أيضاً بنغلادش، والهند، ونيبال، وموريتانيا، والمغرب، وباكستان. (ويحذر التقرير من أن عدد البلدان التي لا تتمتع سوى بفرص ضعيفة لتحقيق هذا الهدف كان سيشمل بلداناً أخرى لو توفرت بيانات جميع البلدان، بما فيها البلدان التي تشهد حالات نزاع أو مراحل ما بعد النزاع، والتي تتسم بتراجع مستوى التعليم).
ويحتل 53 بلداً مواقع متوسطة. ففي هذه المجموعة، غالباً ما تكون نسب المشاركة في التعليم الابتدائي مرتفعة، بيد أن قيمة مؤشر تنمية التعليم للجميع تسجل مستوى متدنياً بفعل رداءة التعليم وانخفاض مستويات محو أمية الكبار. وعلاوة على ذلك، وبالاستناد إلى التقديرات المستنتجة من الاتجاهات الحالية، فإن 58 من أصل 86 بلداً لم تحقق حتى الآن تعميم التعليم الابتدائي، لن تنجح في تحقيقه بحلول عام 2015.
في الوقت ذاته، ما زالت الفتيات يشكلن نسبة 60% من الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة في الدول العربية، و66% في آسيا الجنوبية والغربية. كما تظهر التقديرات، بالاستناد إلى الاتجاهات الحالية، أن هدف إزالة التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي لن يُحقق بحلول عام 2015 في أكثر من 90 من أصل 172 بلداً. (لكن في عدد من هذه البلدان، ولا سيما في أميركا اللاتينية والكاريبي، وأميركا الشمالية وأوروبا الغربية، يُعزى ذلك إلى تجاوز عدد الفتيات للصبيان في التعليم الثانوي).
وما زالت التكاليف المدرسية تحدّ من إمكانية الانتفاع بالتعليم. فعلى الرغم من الأحكام الدستورية في غالبية البلدان التي تنص على ضمان التعليم الابتدائي المجاني، تواجه عائلات أغلب الأطفال في المدارس الابتدائية الحكومية أعباء مالية تمثل أحياناً ثلث دخل الأسرة. وتشكل رداءة التعليم مشكلة عالمية بدأت تسترعي انتباهاً متنامياً على صعيد السياسات التعليمية. وفي البلدان النامية على وجه التحديد، ينطوي التحدي المتمثل في تحسين جودة التعليم على معالجة مسائل عدة، وبالأخص النسب المرتفعة للانقطاع عن المدرسة، والأداء الضعيف للتلامذة، والنقص في عدد المعلمين، والوقت غير الكافي المخصص للتعليم.
على الرغم من التحسن الطفيف، منذ عام 1999، في نسب إتمام التعليم الابتدائي، فإن أقل من 63% من التلامذة بلغوا الدرجة الأخيرة من التعليم الابتدائي في 17 بلداً توفرت بيانات بشأنها في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الغربية، في حين أن أقل من 80% في نصف عدد بلدان آسيا الجنوبية والغربية وصلوا إلى هذه الدرجة. وفي عدد من البلدان الأفريقية، يبلغ أقل من نصف عدد التلامذة الذين يلتحقون بالتعليم الابتدائي نهاية هذه المرحلة. كما كشفت عمليات تقييم التعليم على المستوى الوطني، في عدد من البلدان النامية، أن التلامذة لا يلبّون المعايير الدنيا للتعلم بنسبة قد تصل إلى 40% في مادتي اللغات والرياضيات.
وللاستجابة إلى ارتفاع نسب الالتحاق، تجد معظم المناطق النامية نفسها مضطرة لتوظيف معلمين جدد. كما أن العالم سيحتاج لأكثر من 18 مليون معلم إضافي في التعليم الابتدائي بحلول عام 2015. وستكون كل من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ومناطق آسيا الشرقية، والمحيط الهادي، وآسيا الجنوبية والغربية، بحاجة إلى حوالي أربعة ملايين معلم جديد في المرحلة الابتدائية. وتعتمد بلدان عدة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ضمن نطاق واسع، على المعلمين المتعاقدين لسد النقص القائم. كما أن نسبة هؤلاء قد تفوق أحياناً 50% من مجمل عدد المعلمين، علماً أنهم عادةً أقل إعداداً للتعليم ويتلقون رواتب أقل من نظرائهم في الوظيفة الحكومية. ويدعو التقرير إلى اعتماد سياسات تهدف إلى تحسين الأوضاع القانونية والمالية للمعلمين المتعاقدين، وإعدادهم إعداداً جيداً، وإدماجهم، على الأمد الطويل، ضمن مسيرة مهنية.
وأبدى واضعو التقرير أسفاً لتشديد الحكومات الوطنية والجهات المانحة على التعليم الابتدائي النظامي على حساب برامج مرحلة الطفولة المبكرة ومحو أمية الكبار، على اعتبار أن لتلك البرامج أثراً مباشراً على تعميم التعليم الابتدائي وتحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم، وبشكل أعم، على التخفيف من الفقر. ومن المفترض أن يكون الأطفال المنتمون إلى البيئات الأشد فقراً أبرز المستفيدين من برامج رعاية الطفولة المبكرة وتنميتها. وعلى الرغم من الإجراءات المعتمدة في العديد من البلدان لتوسيع نطاق الانتفاع بالتعليم قبل الابتدائي، فما زالت مستويات المشاركة ما دون 20% في الدول العربية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وما دون 40% عموماً في آسيا الجنوبية والغربية.
واستنتج التقرير أن الحكومات تهمل أيضاً مسألة محو أمية الكبار: فما زال 774 مليون شخص عبر العالم – أي حوالي شخص من أصل خمسة أشخاص – يفتقرون للمهارات الأساسية في مجال محو الأمية. ويعيش أكثر من ثلاثة أرباعهم في 15 بلداً فقط. وشدد التقرير كذلك على أن محو أمية النساء، على وجه التحديد، يولّد أثراً إيجابياً جداً على تعليم الطفل وصحته، علماً أن النساء ما زلن يمثلن 64% من الكبار غير المتعلمين عبر العالم. وبالاستناد إلى الاتجاهات الحالية، فإن 72 من أصل 101 بلد أعِدَّت تقديرات بشأنها لن تنجح في الحد إلى النصف من نسب محو أمية الكبار بحلول عام 2015.
على صعيد آخر، ما زال التمويل الخارجي للتعليم الأساسي هزيلاً قياساً بمستوى الأموال اللازمة سنوياً لتحقيق التعليم للجميع في البلدان ذات الدخل المنخفض، والتي تقدَّر قيمتها بـ 11 مليار دولار. كما أن هذا التمويل لا يخصَّص على نحو كافٍ لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والبلدان التي تواجه ظروفاً قاسية. وإذا كانت فرنسا، وألمانيا، واليابان، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، تشكل أبرز خمس جهات مانحة للمساعدات في هذا المجال، فإن البلدان الثلاثة الأولى المذكورة تكرس أقل من ثلث مساعدتها للتعليم الأساسي. ويوضح التقرير أن عدداً كبيراً من الجهات المانحة تولي أولوية مفرطة للتعليم ما بعد الثانوي.
أخيراً، تقع معظم البلدان التي حققت التعليم للجميع أو التي توشك على تحقيقه في أميركا الشمالية وأوروبا. لكن هذه القائمة تشمل أيضاً الأرجنتين، وبروناي دار السلام، والبحرين، والمكسيك، وجمهورية كوريا. وتتصدر النرويج قائمة مؤشر تنمية التعليم للجميع، وتليها المملكة المتحدة، وسلوفينيا، والسويد، وجمهورية كوريا، وإيطاليا.
***
يمكن الاطلاع على النسخة الكاملة للتقرير، والتقرير الموجز، ومعلومات إضافية على العنوان الشبكي التالي
*يصدر تقرير الرصد العالمي للتعليم للجميع سنوياً ويُعده فريق مستقل يتخذ من اليونسكو مقراً له. يرصد التقرير التقدم المحرز نحو تحقيق الأهداف الستة للتعليم للجميع المعتمدة في داكار (السنغال، 2000)، وهي:
1) توسيع وتحسين الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة
2) العمل على تعميم التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي بحلول عام 2015
3) ضمان الانتفاع المتكافئ ببرامج ملائمة للتعلم واكتساب المهارات الحياتية
4) تحقيق تحسين بنسبة 50% في مستويات محو أمية الكبار
5) إزالة أوجه التفاوت بين الجنسين في مجال التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005، وفي جميع مراحل التعليم بحلول عام 2015
6) تحسين كافة الجوانب النوعية للتعليم
تعمل اليونسكو، بصفتها الوكالة المنسقة والرائدة لحركة التعليم للجميع، على تعبئة وتوحيد الجهود الدولية للحكومات، ووكالات التنمية، والمجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام، بهدف تحقيق هذه الأهداف.