الاجتفاف
من حقك-حتى-أن تضع حدا لحياتك ان كنت تعيش حياة بطعم الموت. ليس من حقك أن تعيش خانعا و لا قانعا..و اذا خانتك الشجاعة, فاستلف غرورا المهم أن تحفر في الصخر...هذه كانت قناعتهم. و بها اجتمعوا قبل أيام في كوخ على الشاطئ. كانوا ثلاثين شابا ينتظرون الاشارة. و لما حان الوقت في تلك الليلة الغابرة القمر, أزمعوا أمرهم و ركضوا في لحظة واحدة الى حيث يرسو المركب الصغير. كانوا يركضون و في الأفق تتبدى أحلام لابد من مطاردتها.
وصلوا لاهثين الى المركب و ثيابهم مبتلة . تكوموا في المساحة الضيقة و بدأوا الرحلة الخطرة نحو البر الأوربي. كان أزيز المركب و هو يختلط بهدير الأمواج ينسج خيوطا باردة لرعب يتعملق في صدورهم , كلما توغلوا في المياه.
يا للسخرية لقد نفذ الوقود و هاهو المحرك يتوقف عن العمل ليصبح المركب المهترئ بلا ارادة.
تصوروا..المدى الأزرق يمتد في كبرياء و وسطه- بشكل يكاد يكون اهانة- يتمايل المركب الصغير..ترفعه الأمواج حينا, تخفظه أخرى. و تجرفه حيث شاءت و هو القشة التي ركن اليها هؤلاء الصامتون. لقد غارت عيونهم و حفتها تلك الهالات الهائلة الدكنة و الفظاعة. لكم أصبحت وجوههم المزرقة ناطقة بلغة الرعب و أحاسيس الضعف الأقصى.
الصدمة أبكتهم . أنستهم الكثير. ذكرتهم بروح الأمومة و عصرت قلوبهم حنينا الى دفء التراب..و مر وقت طويل من العويل و الكلمات اليائسة. لتتوالى الأيام و قد أصبحت لغة الصمت الأكثر بلاغة و تعبيرا عن هول المصيبة. كل الحلول أصبحت لاقيمة لها , فعزفوا جميعا عن الكلام و انطلقوا يصلون بخفوت و حرقة.
الماء في كل مكان..يا الاهي..من أين انبثق كل هذا الكم الهائل من المياه المجنونة..أمواجا و رذاذا و ضبابا ؟..و هذا العطش؟..العطش يشتد بهم جميعا. كانوا يعبون من المياه المالحة المتساقطة فوق رؤوسهم و العطش يزداد..و أوصالهم تؤلم و العطش يزداد و المياه تحاصر..و العطش يزداد و أجسامهم تجتف و...و رائحة العفن بدأت تنتشر و بدأ رمي الجثث..أولى..ثانية..ثالثة...و الاجتفاف يزداد و المدى الأزرق يتجبر و الأجسام تجتف..و الأحلام تتخثر و صحراء الماء تتعملق و الجفاف...
نجية فاطنة بلواد