سلام عليكم ورحمة الله,
فهذه هي الحلقة الثانية من موضوع كيفية أداء الموظف المسؤولية حق أداء, أقدمه لاخواني حتى تتم الفائدة وتعم البركة, فأقول:
أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أداء الأمانة
ومن الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفظ الأمانة والتحذير من إضاعتها:
1 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مجلس يُحدِّث القوم، جاءه أعرابيٌّ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحدِّث، فقال بعضُ القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضُهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتُها؟ قال: إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة» رواه البخاري (59).
2 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن من خانك» رواه أبو داود (3535) والترمذي (1264)، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (424).
3 ـ عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوَّل ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة» رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 28)، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (1739).
4 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان» رواه البخاري (33) ومسلم (107).
أداء الموظف عمله بجدٍّ وإخلاص يُؤجَر عليه في الدنيا والآخرة
إذا قام الموظف بأداء عمله بجدٍّ يرجو ثواب الله أبرأ ذمَّته واستحقَّ الأجرة على العمل في الدنيا، وظفر بالثواب في الدار الآخرة، وقد وردت النصوص الشرعية دالَّة على أنَّ الأجر والثواب على ما يعمله الإنسانُ من أعمال، يكون مع الاحتساب وابتغاء وجه الله، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وروى البخاري (55) ومسلم (1002) عن أبي مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أنفق الرجلُ على أهله يحتسبُها فهو له صدقة»، وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «ولستَ تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلاَّ أُجرتَ بها، حتى اللقمة تجعلُها في فِي امرأتِك» رواه البخاري (5354) ومسلم (1628)، فدلَّت هذه النصوص على أنَّ المسلمَ إذا أدَّى ما هو واجب عليه للعباد برئت ذمَّتُه، وأنَّه إنَّما يحصل الأجر والثواب بالاحتساب وابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.
حفظ الوقت المخصَّص للعمل لصالح العمل
يجب على كلِّ موظف وعامل أن يشغلَ الوقت المخصَّص للعمل في العمل الذي خُصِّص له، فلا يشتغل فيه في أمور أخرى غير العمل الذي يجب أداؤه فيه، ولا يشغل الوقت أو شيئاً منه في مصلحته الخاصة، ولا في مصلحة غيره إذا كانت لا علاقة لها بالعمل؛ لأنَّ وقتَ العمل ليس مِلكاً للموظف والعامل، بل لصالح العمل الذي أُخذ الأجر في مقابله، وقد وعظ الشيخ المعمَّر بن علي البغدادي المتوفى سنة (507هـ) نظامَ المُلك الوزير موعظة بليغة مفيدة، مِمَّا قال في أوَّلها: «معلومٌ ـ يا صدر الإسلام! ـ أنَّ آحاد الرعية من الأعيان مخيَّرون في القاصد والوافد، إن شاؤوا وصلوا، وإن شاؤوا فصلوا، وأمَّا مَن توشَّح بولاية فليس مخيَّراً في القاصد والوافد؛ لأنَّ من هو على الخليقة أمير، فهو في الحقيقة أجير، قد باع زمنه، وأخذ ثمنه، فلَم يبق له من نهاره ما يتصرَّف فيه على اختياره، ولا له أن يصلي نفلاً، ولا يدخل معتكفاً... لأنَّ ذلك فضل، وهذا فرض لازم »، ومنها قوله وهو يعظه: «فاعمُر قبرَك كما عمرتَ قصرَك» ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (1/107).
وكما أنَّ الإنسان يرغب في أخذ أجره كاملاً ولا يحبُّ أن يُبخسَ منه شيء، فعليه أن لا يبخسَ شيئاً من وقت العمل يصرفه في غير صالح العمل، وقد ذمَّ الله المطفِّفين في المكاييل والموازين الذين يستوفون حقوقهم ويبخسون حقوق غيرهم، فقال: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
مسوغات اختيار العامل والموظف
الأساس في اختيار كلِّ موظف أو عامل أن يكون قويًّا أميناً؛ لأنه بالقوة يستطيع القيام بالعمل المطلوب منه، وبالأمانة يُؤدِّيه على وجه تبرأ به ذمَّته؛ لأنَّه بالأمانة يضعُ الأمورَ في مواضعها، وبالقوة يتمكَّن من أداء الواجب عليه، وقد أخبر الله عن إحدى ابنتي صاحب مدين أنَّها قالت لأبيها لَمَّا سقى لهما موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾، وقال عن العفريت من الجنِّ الذي أبدى استعداده لسليمان عليه الصلاة والسلام بالإتيان بعرش بلقيس: ﴿ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، والمعنى أنَّه جمع بين القدرة على حمله وإحضاره والمحافظة على محتوياته، وأخبر الله عن يوسف عليه الصلاة والسلام أنَّه قال للملِك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
وضدُّ القوة والأمانة العجزُ والخيانة، وهي أساس في عدم التعيين في العمل ومسوغات حقيقية للعزل منه، ولَمَّا جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه أميراً على الكوفة، ونال منه بعضُ سُفهائها وتكلَّموا فيه عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رأى عمر رضي الله عنه المصلحة في عزله درءاً للفتنة، ولئلاَّ يعتدي عليه أحدٌ منهم، لكن عمر رضي الله عنه في مرض موته عيَّن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُختار منهم خليفة من بعده، وفيهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فخشي أن يُظنَّ أنَّ عزل عمر رضي الله عنه إياه عن إمارة الكوفة لعدم صلاحيته للولاية، فنفى ما قد يُظنُّ بقوله رضي الله عنه: «فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلاَّ فليستعن به أيكم ما أُمِّر؛ فإنِّي لَم أعزله عن عجز ولا خيانة» رواه البخاري (3700).
وفي صحيح مسلم (1825) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله! ألاَ تستعمِلُني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزي وندامة، إلاَّ مَن أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها»، وفيه أيضاً (1826) عن أبي ذر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر إنِّي أراك ضعيفاً، وإنِّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَرنَّ على اثنين، ولا تَوَلَيَنَّ مال يتيم».
وللكلام بقية, وانه والله لموضوع يحتاج الى الجانب التطبيقي وليس مجرد التنظير.
...................يتبع.